معانقات وكلمات إدورادو غليانو المتجولة

كتبهابسمة فتحي ، في 28 أيلول 2006 الساعة: 01:06 ص

 

ما زال فن القصة القصيرة جداً – ق.ق.ج / الأقصوصة / Very Short Story- هو الأصغر عمراً بين الفنون الأدبية الأخرى، وكأي مُستَحدث تكون ردة الفعل حياله بين حالتي الرفض والمهاجمة وبين القبول والاستساغة.
 
وينقسم قابلوها ومستسيغوها أيضاً، إذ يراها بعضهم فناً أدبياً مُتفرعاً مُنشقاً عن فن القصة القصيرة، ويراها البعض الآخر فناً أدبياً صعباً مستقلاً بحد ذاته مُستفيداً من الأجناس الأديبة الأخرى من شعر وقصة قصيره، أساسه الأول التكثيف والانتقاء الدقيق لمفرداته القليلة المستخدمة ابتداءً من العنوان الذي يُعدُّ جزءاً لا يتجزء من القصة وانتهاءً في جمله سريعة الإيقاع الممتلئة بالحدث والحركة المتوتّرة في لحظة معينة أو حالة بعينها.
 
بكل تأكيد، الكاتِب الأوروغواني "إدواردو غليانو" من الكتَّاب المميزين المُجيدين كتابة هذا النوع من الفن "القصة القصيرة جداً"، ولد هذا الكاتب في مونتيفيدو Montevideo عاصمة الأوروغوي Uruguay عام 1940م ودرس فيها حتى بلغ السادسة عشرة من عمره، وحين بلغ العشرين بدأ العمل كمحرر صحفي، وعلى أثر الإنقلاب العسكري في بلاده عام 1973 سُجن وتمَّ ترحيله بعدها إلى الأرجنتين حيث عمل أيضاً محرراً صحافياً ولكن سرعان ما رُحِّل مرة أخرى إلى اسبانيا على أثر الإنقلاب العسكري في الأرجنتين عام 1976، وهناك في اسبانيا بدأ في كتابة "ذاكرة النار"، ليعود بعد تسع سنين إلى مسقط رأسه مونتيفيدو، وقد حاز غليانو على العديد من الجوائز الأدبية منها جائزة الكتاب الأمريكي عام 1989 “The American Book Award” وقد تُرجمت أعماله إلى أكثر من عشرين لغة.
 

نصحني الكاتب الليبي "محمد زيدان" بضرورة قراءة "كتاب المعانقات" لـ إدواردو غليانو، وبعد بحث دام عام حصلت عليه، وكذلك على "كلمات متجوِّلة"، صدر الكتابان عربياً عن "دار الطليعة الجديدة" بعد أن ترجمهما إلى العربية لأول مرة الأستاذ أسامة اسبر. تنقلت بين قصص "نوافذ" الكتابين بدهشة كبيرة إذ يتناول غليانو الحياة، يتحدث عن الأطفال، الجَد والجدّة، الشعراء، الجنود، الهنود، الطّغاة. يتحدث غليانو باسم الجمادات، يكتب عن زجاجة البيرة، التلفزيون، الجدران، المنازل، يتحدث عن الفن، عن البكاء والضّحك، عن النسيان والكذب والصّمت، عن السّلم والحرب.
بفقرات صغيرة تحتوي جمل قصيرة متتابعة، يتحدث غليانو عن كل ذلك وأكثر، برشاقة فراشة، وحكمة مجرِّب في الحياة والسياسة، وتأمّل صوفيّ لكل ما حوله، إذ يعتمد على الرّمز والتكثيف والرؤية التّشريحية الفلسفية للأمور.
 

أترككم مع بعض قصصه، ومضاته، فوانيسه…
 
نافذة على الأسئلة:

صوفيا أوبالسكي متقدمة في السن جدا، لا أحد يعرف كم عمرها، ومن يعرف إن كانت تعرف. لديها ساق واحدة وتتحرك على كرسي مدولب. كلاهما مهترئ، هي والكرسي. براغي الكرسي مرتخية، وكذلك براغيها.
حين تسقط، أو حين تقلب الكرسي، تسحب صوفيا نفسها بقدر ما تستطيع إلى الهاتف وتدق الرقم الوحيد الذي تتذكره. وتسأل، من نهاية الزمن: "من أنا؟"
 
بعيداً عن صوفيا، في بلاد أخرى، هناك لوثيا هيريرا، التي ولدت منذ ثلاث أو أربع سنوات. تسأل لوثيا من بداية الزمن: "ماذا أريد؟"
 
العالم.
صعد رجل من بلدة نيغوا، الواقعة على الساحل الكولومبي، إلى السماء. حين عاد وصف رحلته، وروى كيف تأمل الحياة البشرية من مكان مرتفع. قال: نحن بحرٌ من ألسنةِ اللهب الصغيرة.
أضاف: العالم كومةُ من البشر، بحر من ألسنة اللهب الصغيرة.
كل شخص يشع بضوئه الخاص وليس هناك لسانا لهب متشابهان. ثمة ألسنة لهب كبيرة وأخرى صغيرة من جميع الألوان. ألسنة لهب بعض البشر هادئة بحيث لا تتأجج حين تهب الريح، بينما يمتلك آخرون ألسنة لهب وحشية تملأ الجو بالشرار. بعض ألسنة اللهب الغبية لا تحرق ولا تضيء، لكن ثمة أخرى تفيض بلهب الحياةب حيث أنك لا تستطيع أن تنظر إليها دون أن ترف عيناك، وإذا اقتربت منها تضيئك.

العنب والخمر.

على فراش الموت، تحدث رجل يعمل في الكروم في إذن مرسليا. قبل أن يموت كشف السر هامساً:
"إن العنب مصنوع من الخمر."
هذا ما روته لي مارسيلا بيريث-سيلبا، وبعدها فكرتُ: إذا كان العنب مصنوعاً من الخمر، فربما نكون الكلمات التي تروي من نحن.

فن للأطفال.
كانت تجلس على كرسي مرتفع أمام صحن من الحساء على مستوى العين. أنفها مجعد، أسنانها محكمة الإغلاق، وذراعاها متصالبتان، توسلت الأم من أجل المساعدة:
قالت متوسلة: "أحك لها حكاية يا أونيليو، أنت الكاتب، اروِلها حكاية."
ملوِّحاً بملعقة الحساء بدأ أونيليو خورخي كاردوسو قصته:
"مرة كان هناك طائر لم يرد أن يتناول عشاءه، أحكم الطائر إغلاق منقاره، وقالت له أمه:ستكون دائما طائراً صغيرا إن لم تأكل النني. لكن الطائر لم ينتبه إلى أمه ولم يفتح منقاره…"
عندئذ انفجرت الطفلة:
يا له من طائر حقير!"

بيروقراطية/3
أكمل سيكستو مارتينيث خدمته الإلزامية في ثكنة في سيفيا "إشبيلية"في وسط ساحة الثكنة مقعدٌ صغير يحرسه جندي. لم يعرف أحد لماذا كان ينبغي أن يُحرَس المقعد. كان المقعد يُحرس على مدار الساعة، فقط لأنه: كل نهار، كل مساء، ومن جيل ضباط إلى آخر كان الأمر يصدر والجنود ينفذونه. لم يعبر أحد عن أية شكوك أو يسأل لماذا. إذا كان هذا ما حصل دائما يجب أن يكون هناك سبب.
وهكذا استمر الأمر إلى أن أراد شخص ما، جنرال أو كولونيل، أن يعرف سبب الأمر الأصلي. كان عليه أن يقلب في الملفات. بعد وقت طويل من البحث، عثر على الجواب. منذ واحد وثلاثين عاماً وشهرين وأربعة أيام، أمر ضابط حارساً أن يقف قرب المقعد، الذي كان قد دهن لتوه، لكي لا يفكر أحد بالجلوس على الدهان الطري.

أصل العالم

لم يكن قد مضى على نهاية الحرب الاسبانية سوى بضعة أعوام، وكان الصليب والسيف يحكمان فوق أطلال الجمهورية.كان أحد المهزومين، وهو عامل فوضوي خرج حديثا من السجن، يبحث عن عمل. بحث في السماء وعلى الأرض دون جدوى. لم يكن هناك عمل لشيوعي. نظر الجميع إليه بنفور، هزوا أكتافهم، وأداروا ظهورهم. لم يمنحه أحد فرصة أو يصغي إليه. كانت الخمرة هي الصديق الوحيد الذي بقي له. في الليل، أمام الصحون الفارغة، تحمل صامتا توبيخ زوجته المؤمنة، التي لم تفوّت بتاتا القداس، بينما كان ولده الصغير يقرأ له كتاب العقيدة  الدينية.
روى لي القصة خوسيب بيردورا، ابن ذلك العامل الملعون. رواها في برشلونةحين وصلت إلى منفاي هناك. كان ولدا يائسا أراد أن ينقذ والده من اللعنة الأبدية، لكن والده، الملحد العنيد، لم يصغ لصوت العقل.
قال له خوسيب وهو يبكي: لكن يا أبي، إن كان الله غير موجود، فمن الذي خلق العالم؟
قال العامل وهو يخفض رأسه كأنه سيفشي سراً:
أيها الغبي! أيها الغبي! إن من خلق العالم هو نحن:البناؤون.

وظيفة الفن1

لم ير ديغو المحيط أبدا، فأخذه والده، سانتياغو  كوبادلوف، ليستكشفه. اتجها جنوبا.
كان المحيط يستلقي منتظرا وراء كثبان رملية مرتفعة.
حين وصل الطفل ووالده في النهاية إلى الكثبان الرملية بعد سير طويل، انفجر المحيط أمام أعينهما.
كان ضخما ومتلألئا وعقد جماله لسان الطفل.
حين فكت عقدة لسانه طلب من والده وهو يرتجف ويفأفئ:
ساعدني لكي أرى.

حب الكلام1

كانت مارسيلا تزور الشمال الثلجي. في إحدى الليالي، قابلت في أوسلو امرأة تغني وتروي القصص. بين الأغاني، تنسج القصص، وهي تنظر إلى قطع الورق كشخص يقرأ البخت من القصاصات.
كانت تلك المرأة من أوسلو ترتدي فستانا ضخما مليئا بالجيوب. وتسحب قطع الورق من جيوبها واحدة بعد الأخرى، في كل واحدة قصة، قصص مجربة وحقيقية عن بشر رغبوا في أن يعودوا إلى الحياة من خلال السحر. وهكذا بعثت الموتى والمنسيين، ومن أعماق فستانها قفزت الأوديسات وقصص حب الحيوان البشري الذي يتابع الحياة، ويواصل النطق.

حب الكلام2

هذا الرجل، أو المرأة،  حامل بعدد كبير من البشر. البشر يخرجون من مسامه. بهذه الأشكال الفخارية، يعبر هنودبويبلو المكسيكيون، عن راوي الحكايات: ذلك الذي يروي الذاكرة الجمعية، التي تزدهر بفضل عدد قليل من البشر.
نبوءات2
حلمت هيلينا بحافظات النار، خزنت أكثر النساء فقرا النار بعيداً عن مطابخ في الضواحي وكان عليهن أن ينفخن في راحات أكفهن بلطف شديد فحسب لكي يشعلنها من جديد

جوع/ 2
نظام عزلة: إبحث عن رقم واحد. جارك ليس أخاً لك أو حبيباً. جارك منافس، عدو، عائق يجب إزاحته أو شيء يجب استخدامه، لا يغذي النظام الجسد أو القلب: حكم على كثيرين: بالتضور جوعاً بسبب غياب الجنز، وعلى أكثر منهم بغياب المعانقات

ثقافة الارهاب/ 7
الاستعمار الواضح يبترك دون تنكر، يمنعك من الكلام،ومن الفعل، أو من الوجود، أما الاستعمار اللامرئي، على أي حال، يقنعك أن القنانة هي قدرك والعجز طبيعتك، يقنعك أنه ليس من الممكن الكلام، وليس من الممكن الفعل، وليس من الممكن الوجود

 
نافذة على الأخطاء
حدث هذا في زمن الليالي الطويلة والريح الصقيعية: في صباح ما أزهرت شجرة الياسمين في حديقتي، وأشبعن الجو البارد بشذاها. وفي ذلك اليوم أزهرت كذلك شجرة الخوخ واستيقظت السلاحف.
ذلك الخطأ لم يستمر. ولكن بفضل ذلك الخطأ، استطاعت شجرة الياسمين، وشجرة الخوخ، والسلاحف أن تصدق، مثلي، أن الشتاء سينتهي.
 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عروض ورؤى | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

6 تعليق على “معانقات وكلمات إدورادو غليانو المتجولة”

  1. موضوعك في غاية الروعة ، أدعوك يا أخت بسمة ، زيارة قصصي في المنتدى الثقافي .

    فذلك من دواعي سروري

  2. بسمة..

    اليوم انتهيت - أو انتهت مني - رواية “وردة”…

    إنني متعبة..

    متعبة أكثر من كلمات غليانو المتجولة

    لماذا نقرأ ما يحيينا.. فيقتلنا ألف مرة!

    آه..

    بمناسبة القصص القصيرة جدا “الأقصوصة”..

    هناك كاتب أمريكي - على ما أظن - رائع في هذا الجنس الأدبي، اسمه ستانلي إم. روبن. ترجمت له بعضا من كتاباته من قبل.. ضاعت الترجمات، لكن له موقع أظن اسمه “ستوري بايت”.. Story byte

    ستجدينه في محركات البحث، أو أظنني سأعطيك الرابط بعد أن أعيد اكتشافه مرة أخرى

    مضى على هروب الترجمة هذا أكثر من سنتين..

    تبا لي!!

  3. عبّوطة أمل

    نحن نقرأ لنعيش يا صديقتي، نقرأ لنعيش بين دفتي كل كتاب حياة على الأقل.

    مبروك انتهاءك من “وردة” ماذا الآن؟

    بالنسبة لـ ستانلي إم روبن، للاسف لم أسمع به من قبل، سوف “انحبش عنه” في غوغل. أشكرك جزيل

    ولا تقولي تباً مرة ثانية. :)

    دومي بألق ومحبة يا أمل

    بسمة فتحي

  4. لم أقرأ لهذا الكاتب من قبل , لذا فشكراً للموضوع الجديد الحلو .. وأفرح كثيراً كلما ألتقيت مدونة أدبية ..وسط بعثرات المدونات , شكرى الخاص ودعوة لزيارة مدونتى والاطلاع على قصصى .. ويوما ما سأضع روابط على مدونتى لكل المدونات الأدبية والثقافية إن شاء الله

    تحياتى الجميلة .

  5. الأخت بسمة فتحي/ تحياتي/ سعدت بقراءة هذا العرض وهذه القصص القصيرة جداً. شكراً لك على هذا الاختيار. وأرجو أن تخبريني أين يمكن الحصول على هذين الكتابين المترجمين/ مع التقدير/ محمود شقير

  6. أستاذنا محمود شقير

    سعدتُ جداً بزيارتك لمدونتي.

    “كتاب المعانقات” و “كلمات متجولة” صادرة عن دار الطليعة الجديدة، وهي دار نشر سورية صندوق بريدها دمشق 34494، تلفاكس 2311378

    أعرف أستاذي أنك تتنقل ما بين الأردن وفلسطين الحبيبة. الكتابان متوفران في مكتبة الطليعة في وسط البلد وهاتف المكتبة هو 4655778. وإن كنت حالياً في فلسطين أتشرف بإرسال الكتابين لحضرتك، فقط ارسل لي عنوانك البريدي.

    دمتَ بخير كثير

    بسمة فتحي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



"إن حياتي تتجسد حين أرويها وذاكرتي تتثبت بالكتابة، وما لا أصوغه في كلمات وأدونه على الورق سيمحوه الزمن."
إيزابيل الليندي، "باولا"