سندويش كوكتيل وعلبة بطاطا
كتبهابسمة فتحي ، في 2 تشرين الأول 2006 الساعة: 09:02 ص
كانت تحمل أحلامها بقصاصة إعلان في صحيفة!
كان ذلك حين حمل لها والدها الصحيفة بحُنوٍ مبالغ فيه وكأنها طفلة جميلة في قماطة:
- اذهبي للجامعة غداً، الإعلان يقول أن حملة شهادة الدبلوم يستطيعون إكمال الدراسة..
لم تسمع باقي حديث والدها، أو ربما سمعته لكن انتقال الطفلة/الجريدة إليها شتت فكرها، وجعلها مشغولة بترتيب النجاحات التي سوف تجنيها حين تكمل الدراسة..
زيادة في الراتب الشهري..
الصعود درجة في السلم الوظيفي ..
لن تخجل بعد الآن من كونها لا تحمل شهادة جامعية…
أخيراً سوف يخرس ذلك النشاز الذي قال لها في يوم ما:
((خبرتك العملية جيدة، ولكن لو معك شقفة
هالبكالريوس))
لم تَنَم ليلتها وهي تعيد ترتيب ما يجب أن تكون عليه أيامها القادمة… ((مممم!! عليّ أن أدرس جيداً، وسوف أحاول ترتيب جدول الدراسة بشكل لا يتعارض مع وقت عملي كي لا أقع بين فكيّ استرحام مدير عملي ومزاجيته.. وأن أقتصد في مصروفي الشخصي كي أستطيع تسديد القسط الجامعي أولاً بأول والحيلولة دون حرماني من شراء كتب المطالعة.. ولا بأس ببعض النشاطات الجامعية، سوف أساهم بمجلة الجامعة الأدبية ولا أتوقع أن يرفضوا مساهماتي، قد بات قلمي ناضجاً بما يكفي لسد باب رفضها، بالطبع دون أن تؤثر هذه النشاطات سلباً على دراستي، شيء مهم آخر هو أنني لا أريد إخبار أي إنسان عدا عائلتي أنني أكمل دراستي أريد مفاجأة الدنيا وأنا مرتدية روب التخرج وطربوشه ويدي ملوّحة بالشهادة، سوف يكون ذلك خبر الموسم وقتها..))
***
برغم ندرة دقائق نومها بالليلة السابقة كان وجهها يشعُّ بنور الأمل في الصباح. ارتدت بنطالَ جينز كحلي اللون، وبلوزة سماوية طويلة واسعة، وانتعلت حذاء رياضة، كي لا تتعب من كثرة المشي بين الأقسام الجامعية، كما حملت حقيبتها متأكدة من وجود دفترها، وعلبة الأقلام.. ربما يحتاج الوضع تدوين الأوراق اللازمة لإتمام عملية التسجيل…
***
وصلت الجامعة، وحين أرادت الدخول، أظهرت طفلتها/الجريدة وبطاقتها الشخصية لحارس الأمن، الذي أبدى بشاشةً جمّة، وكذلك دخلت الجامعة بقدمها اليمنى كي تتأكد من حسن طالع وبركة يومها، الذي طالما تمنته حتى ظنت أنه من المستحيلات!
سألت ثلاث فتيات عن مبنى التسجيل، مشت ثلث ساعة تقريباً بين مباني الجامعة مرتاحة النفس، مالئةً صدرها برائحة الأمل.. الجامعة جميلة، عمر أشجار الصنوبر فيها بعمرها..ليس هناك أجمل من رائحته ناضجاً بأشعة الشمس، ولا أرق من صوت العصافير التي ما وجدت أمان العُلا إلا في حرم أشجار العلم هنا..
- يا إلهي..!! كل هؤلاء يسعون للتسجيل، متى سيأتي دوري أنا؟! ليتني أتحول إلى نملة صغيرة، أخترقُ هذا الحشد.. وحين أصل لدوري أعود لحجمي وطبيعتي.. يا إلهي كأنه يوم النشور..!!
ابتسمت من تخيلها الأناني في ظاهره –تحوّلها إلى نملة كي تتجاوز كل هذه الأكوام البشرية .. هي التي ما برحت صديقتها تقول لها ومنذ عشر سنوات: ((أنت أطول من أي فتاة أو شاب في عائلتي..صحيح… الشمس غابت عندكِ ولا لسه؟ لأنه عندنا غابت!))
***
- عفوا يا أستاذ، هذا دوري..!!
عصبياً كان وهو يفسح لها المجال:
- طيب، عشو مستعجلة.. مش رايحه تطير الجامعة.. أمّا سنافر..!!
كادت تضحك بصوتٍ عالٍ، على كلمة ((سنافر))، هكذا يُطلق على طلبة السنة الأولى، ولكنها لو دخلت الجامعة عند انتهائها من الثانوية لكانت تخرجت منذ عامين..!! ولكن لا بأس بلقب ((سنفورة)) الآن، على الأقل هو لقب جميل طفولي…
- تخصص حاسوب؟
- نعم، إن أمكن..
- إستكمالي مسائي؟
- نعم، إن شاء الله..
- اعطني أوراق شهادة الدبلوم..
وهي تخرج الأوراق بزهو سألت المسؤول عن التسجيل لكلية العلوم..
- بكم ساعة الحاسوب؟
- خمسة وسبعون ديناراً….
- بكم؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!
دارت حسبة الأرقام برأسها… المادة ثلاث ساعات… الساعة بخمسة وسبعين ديناراً… ست مواد في الفصل.. وتحتاج لستة فصول ….
6×6x75×3= 8100…. ((هاهاها.. ثمانية آلاف دينار!!))
- تفضل، أعتذر أنني لم أفسح لك المجال وطالبت بدوري ..
هذا ما قالته للشاب الذي قال لها "أما سنافر..!" حين لمحت عقد الذهب المبروم حول عنقه، هاربة خارج مبنى التسجيل.
***
ثمانية آلاف دينار… كم سنة أحتاج لتجميع هذا المبلغ، إذا كانت رسوم المادة الواحدة تفوق راتبي الشهري؟!
كانت تسير ببطء بين مباني الجامعة مبعثرة أحلامها التي لملمتها بالأمس وهي تردد ثمانية آلاف دينار، غير الكتب، وباقي المصاريف!!
- يا للسخرية.. كي أحصل على ((شقفة هالبكالريوس)) يجب أن أدفع ثمانية آلاف دينار..!!
شعرت برغبة ملحة بالبصق على الأرض، لكنها في حرم الجامعة ولا يجوز لها المساس بقدسية ورِفعة العلم وأهله..!
لذلك ابتاعت ساندويش كوكتيل وعلبة بطاطا وفرشت طفلتها/الجريدة.. وتربعت عليها تحت شجرة صنوبر شامخة وتساءلت إن كان العصفور يدفع مثل هذا المبلغ لبناء عشه الجامعي، وأفطرت حلمها، غير عابئة ببقعة الكاتشب التي استقرت باشمئزازٍ على رقعة الإعلان…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : شَرشَف أبيض | السمات:شَرشَف أبيض
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أكتوبر 2nd, 2006 at 2 أكتوبر 2006 10:58 ص
رائعة و مؤثرة
أكتوبر 2nd, 2006 at 2 أكتوبر 2006 10:58 م
حلوة كثير
الله معك
أكتوبر 27th, 2006 at 27 أكتوبر 2006 7:50 م
نص تمكن باسلوب مشوق من ملامسة الهموم التي يعانيها أبنائنا الطلبة, في ظل بدء تحول التعليم إلا إستثمار خاص لا يقدر عليه الا أبناء النخبة..أما الفقراء وأبنائهم وذوي الدخل المتوسط فما حاجتهم للتعليم ؟؟ مؤسف ما يجري..لنا الله و….المستقبل..
زياد جيوسي
رام الله المحتلة \ فلسطين