انتظار
كتبهابسمة فتحي ، في 19 تشرين الأول 2006 الساعة: 14:47 م
برغم شعورها أن ثقب ذاكرتها قد اتّسع في الأيام الأخيرة حتى بدأ يسقط منه بسهولة ودون اعتراض من أحد أو شيء، تواريخ الأيام وأسماؤها، وبدأت تنشف الكلمات التي كانت على رأس لسانها فجأة أثناء حديثها مع الآخرين فتسعفها من الحرج كركرة ضحكتها وإصبعها الذي يتسلل نحو فروة رأسها ويحكّها حتى تُمرِّر خصلات شعرها كلماتٍ أخرى تفي بالغرض، غير أنها لم تكن تخاف حدوث أي شيء من هذا وقتها، لأنه لا يمكنها نسيان أية خطوة مَشَياها معاً وأية كلمة قالاها … كانت في طريقها إلى المكان نفسه الذي جمعهما مرة، وآخر ما كانت تتمناه أن يكون سائق التاكسي الذي أوصلها من مُصدَّري الكلام ومُوزِّعيه.. أخبرها أنها تركب معه للمرة الثالثة وأن له ذاكرة "بنت الـ 14"، وليقنعها بذلك أخبرها بأي منطقة يقع منزلها، وأقسم عليها أن تقول الحقيقة إن كانت تسكن هناك، فعلتْ بابتسامةٍ موافِقةً إياه ورفعتْ فوق القَسَمِ قَسَماً آخر تقنعه أنها لا تتذكر إنها ركبت معه!
أنقذها الله بعد عشرة دقائق مريعة حين أوصلها صاحب الفم الكبير ولم يخطر ببالها أن تسأله سبب لَطْشِه عشرة قروش زيادة عما قاله مؤشّر العدّاد، إلى ذلك المجمّع التجاري.
انفتح الباب أمامها وحده وكأنه يؤدي لها تحية الترحيب فأحنَتْ رأسها الصغير شاكرةً ممتنةً، وكان أول ما رأت واجهة السكاكر والشوكولا بألوانها اللامعة وأحجامها وأشكالها المختلفة ونكهاتها المتعددة…مرّت بجانبها سريعاً معارِضةً رغبتها بملأ حقيبة يدها وجيوب تنورتها "بشوكولا اللّوز" المفضل لها… نعم، مرّت بجانبها سريعاً محاوِلةً إخفاء ابتسامتها متذكِّرةً إنها حين كانت معه كادتْ أن تضع كفّها بكفّه وأن تشد بكفها الآخر ذراعه وتهمس له:
- "احضر لي .. أريد من هذه.. وهذه.."
غير أنها تراجعتْ ففكرة تناولها الشوكولا وهو ينظر إليها لم تكن بالمقبولة لديها أبداً.. كم كانت تتمنى لو أنه لا يمقت الحلويات والشوكولا إلى هذا الحد .. على الأقل "شوكولا اللّوز" !
وضعتْ قدمها على أولى درجات السّلم المتحرك، كان طيفه حاضراً، تسرّب إليها دفء يده وطول قامته وبهاء حضوره، كانا واقفين على ذات الدرجة، السلم يصعد بهما للأعلى وروحها ترفرف حاملةً طوق قرنفل وياسمين فوق رأسيهما مع ملائكة المحبة والجمال، كانت لا تزال تشعر بحنان يده وهي جالسة إلى الطاولة نفسها التي جلسا إليها وكأنها تنتظرهما.. احتست القهوة مع طيفه حتى كأنها سمعته يُعيد عليها بصوته الرخيم الواثق:
- اشتقتُ إليكِ كثيراً جنّيتي الصغيرة…
لم تكن قلقة على الموعد الذي ضربته مع الرسّام، الذي سوف يسلّمها اللوحة، لأنه يلتصق يومياً هو وحامل لوحاته منذ الصباح وحتى منتصف الليل بأحد أركان الطابق الثالث، والمُخصص أصلاً للمطاعم والمقاهي، اختيار الرسام ذكياً فهو أكثر الطوابق ارتياداً على الإطلاق في كل الأوقات… كانا قد سارا إلى ركنه يومها وراقباه كيف يرسم.. يعلِّق الصورة المُراد رسمها على الحافة اليمنى للحامِل وبيده اليسرى يحمل قلمه الفحمي ويرسم على اللوحة التي تتربع بغنجٍ على منتصف الحامِل..
وضع كفّه على كتفها واقترب منها وهمس في أذنها :
- تثيرني الظلال والخطوط.. انظري كيف سيظلل الأرضية كاملة.. وبعدها سيبدأ بالخطوط العريضة إنها تُبرزُ الرسمة وتحدّدها… ستبدأ وكأنها طلاسم سرعان ما تنتهي بملكةٍ متوّجةٍ تتمنى أن ينفخ الله فيها روح الحياة … ليتني مكانه ولي يُسراه أرسمكِ بها؟!
وكأن عفريتاً استيقظ تواً من نومه، قفزتْ الفكرةُ إلى رأسها، أن تطلب من الرسام رسم صورتها، وتهديها إليه… واليوم هو موعد التسليم!!
سارت نحو ركن الرسام بهدوء… ساعتها تشير إلى الثانية والنصف، وهذا يعني وقت الغداء، لذلك يعجُّ المكان بالناس، معظم الطاولات شاغرة وكذلك معظم الأطفال يتراكضون وأمهاتهم يتوعّدنهم بشديد العقاب إن لم يعودوا سريعاً… كانت المفاجأة أن الرسّام ليس في محله، وحامل لوحاته أجرد من اللوحات وكرسيه يكابدُ الوحدة..!
- يا سلاااام… يا مستعجل قِف لأقل لك…!!
هذا ما همستْ به لنفسها، وكمحاولة بائسة منها في الحيلولة دون الركوع تحت قدمي الانتظار المُحرقتين، أمسكت بهاتفها النّقال وهاتَفت الرسام الذي أخبرها صوته أنه سيتأخر ساعة، قال ذلك حتى دون أن يعتذر. أدارت ظهرها للانتظار وجلست إلى إحدى الطاولات، وأخرجت كتاباً تقرأه..
تمرُّ الدقائق بطيئة جعلتْ كركرات الأطفال تتحول إلى خَبيط تخبط أعصاب رأسها، وصوت أمهاتهم زعيقاً لا يُحتمل، وتُضايقها رائحة الطعام، وتذكرها بأنها دون إفطار… تُبدِّد فكرة تناول وجبة وحدها، لا أحد هنا يأكل وحده، وماذا لو أتى الرسّام ووجدها تلوك الطعام..؟!
كان خيارها الأوحد هو أن تضع رأسها في الكتاب الذي تداخلت كلماته ببعضها البعض، وكأنها شياطين تعض بعضها بعضاً وتحاول التركيز فيما يقول، علّلت كل ما يحدث أنها وحيدة بينما تركت طيف حبيبها في المقهى، خوفاً أن ينقل إليه خبر المفاجأة خاصة وأنها مؤمنة حتى تكون المفاجأة مفاجأة عليها أن تقدّم ساخنة بسريّة، رفعت رأسها عدة مرات تتفحّص عيناها مداخل القاعة.. لم يأتِ الرسّام بعد، وفي كل مرة كانت تمسك ذلك الرجل الضخم كثيف الحاجبين والشارب والذي يجلس إلى الطاولة المقابلة لطاولتها مُتلبِّساً بالنظر إلى ساقيها من تحت الطاولة ويتفحّص وجهها، مستغلاً بذلك انشغال زوجته السمينة بِنَتش قطع الدجاج المقليّ، نظراته كانت تثير في نفسها الغثيان، كما شعرت بلا جدوى مَطِّ تنّورتها السّماوية للأسفل، فتعيد عينيها إلى صفحات الكتاب، بقي هذا حالها حتى شبعت الزوجة السمينة أخيراً ومشت أمامه ولحقها وحين وصل حيث تجلس مرّر يده على طاولتها قرب يدها، ماسُّ كهربائيٌ سرى في جسدها جعلها تتمنى لو أنها سحقتْ كفه..شتّان ما بين كفه البغيضة وكف حبيبها الدافئة الحانية…
وقبل أن تنفذ علبة صبرها وصل الرسام يحمل على كتفه حقيبته السوداء العريضة.. وما أن وضعها على الأرض كانت تقف فوق رأسه، حيّته بهدوء مُدّعيةً عدم الانزعاج من تأخره، اللوحة بل المفاجأة نضجتْ أخيراً، تهلّل وجهها حين تخيلت وجه حبيبها فرِحاً بوجهها المرسوم كفرحة طفل كافأته أمه بحلوى وقبلة..!
- دقيقة من فضلكِ، أخرجُ لكِ اللوحة.. انظري إليها، إن شئتِ عدّلتُ لك عليها…
بعد بحثٍ بين عدة لوحات، خرجت لوحةٌ لامرأةٍ لا تشبهها في شيء سوى شعرها الناعم الطويل وأي تعديل لن يفيد في شيء… اللوحة ليست هي.. هذا واضحٌ تماماً!
وضعتْ يدها على فمها لتمنعه من قذف سيل الكلمات الحادة التي كانت تتمنى إسماعها للرسام الدقيقة الحساسة يده (سابقاً).. ونظرتْ إليه مرة.. وللوحة مرة أخرى.. والانتظار الذي رفضت الركوع تحت قدميه وجدته منقلباً على بطنه من الضحك..
نقَّدتْ الرسام نقوده.. تأبطت اللوحة وخرجت بهدوء في اتجاه المقهى، حيث تركت طيف حبيبها وحيداً غير خائفة منه أن يُفسد المفاجأة، لأنها فسدت وانتهى الأمر..
المفاجأة التي لم تتوقعها أبداً، كانت أن الطيف سَرَحَتْ كفّه في شعرها وقال:
- اشتقتُ إليكِ جنّيتي الصغيرة…تأخّرتِ عليّ
وأكمل مشيراً إلى اللوحة:
- جميلة.. لَيْتَها لكِ. ..ألستِ معي أن شعر هذه السيدة يشبه شعرك..؟!
25/5/2004، الثلاثاء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : شَرشَف أبيض | السمات:شَرشَف أبيض
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أكتوبر 19th, 2006 at 19 أكتوبر 2006 4:25 م
قبل ان يتوقف النبض في العروق اقول : كل عام وانت الحب والخير والجمال
أكتوبر 20th, 2006 at 20 أكتوبر 2006 11:15 م
كل عام وانت بألف خير …عيد سعيد ان شاء الله
أكتوبر 24th, 2006 at 24 أكتوبر 2006 12:07 ص
بسمتي الغالية..
ها هو العيد يمر إذن..
انتظار من نوع آخر
سعدت كثيرا بالقصة.. بالسرد المتدفق فيها وكذلك بالصور البلاغية المنعتقة من التفخيم.
ربما لاحظت خطأ نحويا وحيدا هنا:
(اختيار الرسام ذكياً)
أما كان يجب أن تكون (ذكيٌّ)؟
ما رأيك؟
سلمك الله وبارك نبض حرفك
أكتوبر 24th, 2006 at 24 أكتوبر 2006 1:27 م
كل عام وأنتم جميعا بألف خير وصحة وسلامة
ياااااااا رب
الأستاذ هشام، مرورك هنا محل تقديري، أشكرك
الأستاذ الصحفي محمد عقل، أشكر لك مرورك ومباركتك بالعيد.
حورية الجنة، لك كل احترامي وتقديري
أمووووووووووول
كل سنة وأنت العيد والجمال والعيد
سعيدة أكثر منك بمرورك هنا، اشكرك غاليتي
أمول، ذكياً هي الأصح -والله أعلم- ذكياً هنا تمييز منصوب.
مممم، ما رأيك بطرف ثالث يحكم بيننا الأمر الذي فيه نستفتي؟
دمتِ لي
بسمة فتحي
أكتوبر 27th, 2006 at 27 أكتوبر 2006 7:42 م
قصة لطيفة وسلسلة السرد والتسلسل…
اتمنى لك المزيد من الألق
سعدت بزيارة مدونتك..
زياد جيوسي
رام الله المحتلة \ فلسطين
أكتوبر 28th, 2006 at 28 أكتوبر 2006 3:44 ص
عزيزتي بسمة..كل عام وانت بالف خير ..
قد يجوز وجهان في اعراب ذكي…
…..اختيار الرسام ذكياً فهو أكثر الطوابق ارتياداً على الإطلاق في كل الأوقات… كانا قد سارا إلى ركنه يومها وراقباه كيف يرسم……
قد يكون اعرابها خبر كان ..حيث يجوز ان نقول كان اختيار الرسام ذكيا”
او خبر ان بحيث تصبح الجملة ان اختيار الرسام ذكيٌ…
حل وسط ايش رايك؟؟

أكتوبر 29th, 2006 at 29 أكتوبر 2006 2:44 م
الأستاذ الرائع زياد جيوسي
أشكر لك مرورك، أسعدتني جداً
أخي العزيز المهندس أحمد الطحاينة
كانت مفاجأة سعيدة لي متابعتك مدونتي المتواضعة، شاكرة لك.
وبدك الصحيح؟ سألت مرة أخرى وكانت الميل نحو ذكيٌ على أنها خبر المبتدأ، “العلماني” وعدني بالمرور هنا وإعرابها، وها أنا أنتظر رأيه.
أشكركم من كل قلبي
بسمة فتحي
أكتوبر 31st, 2006 at 31 أكتوبر 2006 5:06 ص
تحياتي بسمة،
أعتقد - كما أخبرتك - بأن كلمة ذكي هنا هي “خبر المبتدأ” “اختيار” وحكمها “الرفع”.
التمييز، كما أرى، ليس وارداً على الإطلاق. فنحن نعرب الاسم على “التمييز” بشكل استثنائي جداً، ونستعمله عادة “للكيل” و”الوزن” و”المساحة” و”العدد” و”النسبة” .. فنقول:
1) مزجت كأسي بقدح ماءً. (كيل)
2) ابتعت أوقية ذهباً. (وزن)
3) حصدت محصول فدان قمحاً. (مساحة)
4) نقلت خمسين سائحاً (عدد)
5) ازداد المتعلم أدباً (نسبة)
كلمة “ذكي” لا تنطبق عليها هذه الحالات، ورفعها - باعتقادي - واجب على أنها خبر المبتدأ (أحسن بعدين ما نعود نلاقي خبر للمبتدأ :)). ولكن، كي لا نضيع، فلأشر إلى “طريقة بسيطة” نتعرف من خلالها على “التمييز” في معظم الحالات التي ينصب بها الإسم على “التمييز”. هذه الطريقة هي التي يذكرها “ابن مالك” عندما يقول:
إسم بمعنى:”مِنْ”، مبين، نكره
يُنصب تمييزاً بما قد فسّره
كشِبْر ارضاً، وقفيز بُرّا
ومَنَوَيْن عسلاً وتمرا
“الطريقة” إذاً هي وضع “مِن” قبل الاسم “المشكوك بأمره”، فإذا استقام المعنى فالإسم عادة يكون منصوباً على التمييز، وإن لم يستقم فحالته الإعرابية ليست في “النصب على التمييز” - على الأرجح - (طبعاً، لن ندخل في الاستثناءات والتفاصيل هنا).
واسلمي لي
العلماني
أكتوبر 31st, 2006 at 31 أكتوبر 2006 12:17 م
العلماني: “فال المِحَز، ومُصيب المفصل”
لا أدري كيف أشكرك، قد استفدت جداً من شرحك أشكرك جزيل الشكر، وسوف أعدلها فوراً
أشكرك جزيييييييييل الشكر
بسمة
ديسمبر 13th, 2006 at 13 ديسمبر 2006 4:34 م
سعيدةٌ أيّامُكِ يا صديقتي….
“انتظار” الأحبّ إلى قلبي.. لا يمكن أنْ أمرّ عنها دون أن أقرأها
وأتلمّس ضوءاً جديداً شهيّاً في كلّ مرّة..
محبتي وتحيتي..
هيفاء أبو النادي
ديسمبر 14th, 2006 at 14 ديسمبر 2006 3:17 م
غاليتي هيفاء أبو النادي
كم سعدتُ حين قرأت مداخلتك. وأشكر “انتظار” التي كانت السبب بمرورك اليوم
دمتِ بكل الحب