الجبّارة الصغيرة
كتبهابسمة فتحي ، في 1 تشرين الثاني 2006 الساعة: 13:14 م
الإهداء: بالطبع، إليكِ (سندس) حيث أنتِ..
(1)
كنتُ أبرر عجزي عن الكتابة، إنني أنتظر نهاية حتمية، لا التباس فيها..
وكنتُ أكتفي بممارسة الألم، وتأمله، واختزانه، لاختزاله في قصة قصيرة، أقوم بضمّها إلى أوراقي الكثيرة المبعثرة، لتعليبها في دولابي الأمين، وعدم السماح لأحد أن يعبث بها، خوفاً من الأعين البراقة، الفضولية، والألسن المتشعِّبة، المتعطِّشة لخبر جديد، وكذلك كي أطمئن نفسي أنني نسيتها، ببشرتها النّديّة الطرية كعجين الصباح المُختمر، وأصابعها الطويلة الرفيعة ذات الأظافر اللؤلؤية، وعينيها الصغيرتين وأنفها الذي كأنه رُسم بفرجار هندسةٍ لا يُخطئ الزاوية أبداً، وصوتها الناعم الحنون الذي نادراً ما سمعته..!
(2)
لم يكن يلفتني إليها سوى تكوُّر بطن أمها، وانتفاخه شهراً بعد شهر بها، لم أكن أتصور أن تلك الكرة المحشوّة هناك، سوف تغدو هاجسي الأوحد، والمنافس الحقيقي لظلي على دوام رفقتي، وبوصلتي التي لا تمتلك غير عقرب يتيم لا يعرف الإشارة إلا حيث اتجاه الحزن الممزوج بالشفقة والتساؤلات المُلِحَّة دون مجيبٍ مقنعٍ، لم أعد أقتنع بالمبررات القائمة على (النصيب)، (هكذا شاء الله)، (التحاليل الطبية تقول)، و(صور الأشعة تُشير إلى أنّ)، نعم لم أعد أقتنع أبدا..
(3)
مؤكد أن الأطفال (ملائكة) وأنا أقسم بعكس ذلك، أنهم (جبابِرة)، خاصة إن سكنهم العِند، وقرروا –صائبين- عدم الاستمرار في سيرك الحياة باذخ التناقض، و مغادرته سريعاً، مخلفين وراءهم تراكمات من الأفكار، والعِبَر، والذكرى والكثير الكثير من الصمت الباكي. لذلك، أكاد أقسم أيضاً إن (جبارتي) الصغيرة لم تصرخ، ولم تسقط دمعة واحدة من عينيها -اللتين بلون كَرز أيار الأخضر، حين ارتطمتْ أول نسمة من نسمات الأرض، برئتيها الصغيرتين، لا لشيء سوى أنها قررتْ أن لا تلوثهما طويلاً به..
(4)
في الليلة التي حلَّقتْ روحها حيث خالقها، قمنا –أمها وعمتها الكبرى وأنا - بزيارتها في المشفى، ولم يكن مسموحاً لنا بذلك، ربما لأنهم –الأطباء- باتوا يدركون أن ساعتها الرملية لم يتبقَ فيها غير حباتٍ قلائل، لتنتقل حيث الضفة الأخرى من الحياة، لكننا وبعد استعطاف الطبيب، دخلنا إليها بشكل منفرد، وحين أتى دوري، حضنتُ يديها، كانتا باردتين كثلج كانون الثاني، موشومتين بوخز الإبر التي تركت آثاراً زرقاء على يديها الطفوليتين وكذلك كانت هناك بقع حليقة من رأسها الصغير، من أجل إبرة أخرى، تدخل مصل التغذية –اللعين- الذي لطالما ردّت مُحتواه عنها باستفراغه، وكأنها تذكرنا بالحقيقة الطبية التي تقول "الاستفراغ ليس مرضاً بل ردة فعل"، قمتُ بتقبيلها، نظرتُ إليها، خُيِّل إليّ أنّ ريشاً أبيض بدأ ينمو على يديها، لتتحولا إلى جناحين، تحلق بهما مفعمة بالقوة، والثقة والصحة، إلى ملكوت الله، الأمر الذي شجعني أن أقرّب فمي حيث أذنها اليسرى أحمِّلها أمانة، أن : "يا سُندس عندما تصلين إلى الله، سلّمي لي عليه وأخبريه أنني أحبه رغم كل شيء…"
(5)
لا أدري كم المدة التي بقيتها عندها، وبينما كنتُ أتأملها برصيدي الكبير من العجز، تذكرتُ الأوقات التي قضيتها معها وحدي قبل نقلها إلى المشفى والأغنية التي كنتُ أرنِّمها لها أثناء مداعبتي لشعرها الذهبي ((طيري يا طيارة طيري، يا ورق وخيطان، بَدِّي إرجع بنت صغيرة على سَطح الجيران…))، لكنها لم تكن تستجيب لغنائي ولمساتي على وجهها البريء..!
وبينما كنت أمسّد بيدي المترددة ما تبقى من شعرها الناعم القصير، أرعبني صفير ما، لم أدرك مصدره لكنه كاد أن يُوقف قلبي، لأنني على يقين أنه صادر عن أحد الأجهزة الموصول بها، الأمر الذي حوّل عيني إلى فأرٍ باحثٍ عن حفرة تؤويه، فبحثتا عن طبيبٍ أو ممرضة، لإنقاذها مرة أخرى من بين أنياب الموت التي لا ترحم، ولإيقاف النزف الحاد الذي حدث لأعصابي، أتتْ الأخيرة –أخيراً- وعدّلتْ في مُؤقّت جهاز التدفئة الذي كان يساعد على إبقاء حرارة جسدها الضعيف ضمن المعدل..!
استمر نزف أعصابي مدة لا بأس بها بعد أن صمت نقيقُ الجهاز وطمأنتني نظرات الممرضة، قلبي احتاج إلى دقائق أخرى حتى عاد إلى ترنيمته الأولى، ربما لأنني تذكرتُ أنها كانت سوف تموت بين يدي قبل يومين، حين أشفقتُ عليها عندما لمحتُ أن الجفاف بدأ يزحف إلى شفتيها، فرطّبتُ أصابعي بالماء ومسحتُ فمها، وأتتها نوبة اختناق، وقتها لم أعرف ماذا أفعل، لم أقل سوى: (والله لم أفعل لها شيئاً، فقط رطّبتُ شفتيها بالماء.. لم أسقها شيئاً.. أي شيء!) لم أكن أريد أن تموت بين يدي…
نهايةٌ حتمية..!
28/8/2003 الساعة الرابعة إلا عشرة دقائق مساءً، وبعد أربعة وأربعين يوماً، ((الجبارة الصغيرة))، بسخرية لاذعة، غادرت قطار الدنيا دون رجعة..! تاركة قلبي فريسة لهاجس الـ((لماذا)) ووسوسة ((ما الحكمة)) وتربّص ((الدهشة الحمقاء))، وتركتْ قلمي محموماً يبحث عن مِزراب، يستطيع من خلاله تمرير بعض حزني الماطر الهاطل من قلبي.
كما أن عشرات الصّور –التي اقتنصتها لها دون تصريحٍ منها- تبيحُ المجال لمَطارِق الذكرى طرق رأسي دون رحمة، ولباسها الأبيض -الذي قُدِّس بدمها، أثناء عدم مبالاتها بالدنيا حين سلبتها ما تبقى منه - ..يعيد -تارة ثانية وثالثة ورابعة ووو ..- ذات الهواجس و الوسوسات و التربصات اللعينة إلى نفسي!
2/9/2003، الثلاثاء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : شَرشَف أبيض | السمات:شَرشَف أبيض
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























نوفمبر 1st, 2006 at 1 نوفمبر 2006 4:54 م
قصة محزنة تحمل الكثير من روحك،وكأن الكتابة نوع من التطهير مما علق في نفوسنا من ذكريات مؤلمة…. تحياتي
نوفمبر 3rd, 2006 at 3 نوفمبر 2006 11:06 ص
idon’t know what to say i’m crying here but this is the life what we can do give us 1
and comes the next day to take the otheres
its arel sad story and truth me its happened alot iwent throw something like that and alot of us did
نوفمبر 4th, 2006 at 4 نوفمبر 2006 2:49 ص
لا حول ولا قوة الا بالله
نوفمبر 4th, 2006 at 4 نوفمبر 2006 5:35 ص
انا لله وان اليه راجعون
على الأقل هي خلصت تقديم امتحان
بس العترة على اللي ما خلص (نحن)
والله يهدينا ويجمعنا بالجنة بالنبي عليه الصلاة والسلام على خير
سلام
نوفمبر 4th, 2006 at 4 نوفمبر 2006 1:25 م
عظم الله اجركم والهمكم الصبر والسلوان …