الرقيب الأول
كتبهابسمة فتحي ، في 29 تشرين الثاني 2008 الساعة: 14:27 م
عافت نفسي قراءة “المكتبة الخضراء للأطفال” بعد أن حفظت قصصها واحترفت إعادة رواية أحداثها، كما مللتُ قراءة “ألغاز المغامرون الخمسة” و”آرسين لوبين” بعد أن قرأت روايةً من روايات الكبار، كانت رواية “بائعة الخبز” لـ “كزافييه دي مونتابين”.
اكتشفت مع بائعة الخبز لغةً جديدةً، أحداثاً مغايرة عن أجواء الألغاز البوليسية، شخصيات طيّبة، حنونة، مظلومة متمثّلة بالأرملة حنّة، وأخرى شريرة، قاسية، حاقدة كانت تحمل اسم جاك. لم أكن قد جاوزت الثانية عشرة من عمري. وبِقدر ما أضفت رواية بائعة الخبز من فرحة واستمتاع خلال قراءتي لها، كانت تسكب خوفاً جديداً في روحي. إذ من أين أحصل على روايات الكبار والمكتبة التي أحصل من خلالها على الألغاز والقصص، لا تبيع كتباً للكبار؟!
وكان لا بد من محاولة.
ديناران في جيبي، وشبه يأسٍ بوجود حكايا للكبار عند المكتبة المأهولة بالقرطاسية.
- عمو في قصص للكبار؟!
صاحب المكتبة يعرف نهمي في القراءة، ظنّ أني خجلتُ من طلب روايات عبير صراحةً فناولني إياها بصمتٍ مع ابتسامةٍ غريبةٍ لم أفهمها إلا فيما بعد. ناولني كتاباً بحجم الألغاز ولكن بعدد صفحات أكثر، أذكر الخط الأخضر الغامق تحت اسم روايات عبير، لم أكن قد رأيته قبلاً، ولم يعنِ لي شيئاً. عدت إلى للبيت ركضاً وحقيبة المدرسة على ظهري تقفز معي فرحاً، تسمعني وأنا أعد نفسي: لن أقرأ الألغاز بعد اليوم. روايات للكبار، وااااااااو المكتبة تبيع كتباً للكبار أيضاً
بدأت بالقراءة.
تبرهن أسماء المدن الأوروبية وأسماء الأبطال الغربيّة، أنني أقرأ روايات للكبار، تكبر الطّفلة التي كنتُها. تدور أحداث الرواية حول فتاة جميلة عمياء، يصدمها شاب بسيارته، يأخذها لبيتها، يجلس معها، تتحسّس وجهه، فتكتشف أنه تعرض لحادث، أو لحريق جعل من بشرة وجهه أشبه بكتلة تجاعيد غير متناسقة. أشفقتُ على البطل، وأوجعني عدم مقدرة الصبيّة على الرؤية.
مرّت الساعات سريعاً وأنا أقرأ، وكم كانت مفاجأتي حين قرأت أول قُبلةٍ بين البطلين، وبعدها كيف ضمّها بين ذراعيه حين خافت من صوت الرعد. أحببتُ ما قرأت، وخفت أن يراني أحد وأنا أحمل هذا الكتاب. خفت من خوفي، وكنتُ مثالاً صادقاً على :كاد المريبُ أن يقولَ خذوني، فوضعتُ الرواية في كتاب مادة العلوم، وكلّما مرّت أختي الكبرى بجوار غرفتي تراني أحمل كتاب المدرسة، فتظنُّ أنني أدرس. ساعة، ساعتان وربما يزيد وما زلت أحمل كتاب العلوم، بينما أنا أسبح بتفاصيل قصة حبِّ شائكة، استهوتني أن يكون البطل قبيحاً والبطلة عمياء، مأخوذة بالتفاصيل، أتخيّل نفسي كيف سأروي القصة لزميلاتي في غرفة الصّف، لذلك لم أنتبه إلا وأختي الكبرى تخطف مني كتاب العلوم وتقع على الأرض الرواية..!
ثوانٍ قليلة كان غضب أختي انتقل من الكذب حول الدراسة، إلى نوعيّة ومحتوى الرواية التي بين يدي، ومن عصبيّتها اكتشفت أن روايات عبير هي سلسلة روايات تُكتب للمراهقين، جميعها تدور حول قصص حب. عشرات الأسئلة قذفتها في وجهي سريعاً: من أين لكِ بالرواية؟، منذ متى تقرئين هذه المصائب؟، كم كارثة قرأتِ للآن؟، من هُن صاحباتك في المدرسة؟! لم أعرف كيف أجيب من الخوف، لم أعي إلا وهي تفتح الجارور الذي كنت أحتفظ بكتبي فيه، حملتْ كل ما عندي جميعاً: قصص المكتبة الخضراء، ألغاز الشياطين 12، ألغاز المغامرون الخمسة، آرسين لوبين، قصص الأنبياء، كتب هل تعلم، ورواية بائعة الخبز.
ورمت في وجهي حكمها: ما في قراءة من اليوم وطالع!
حملت معها كل ذكرياتي مع الألغاز، وحماسي لـ آرسين لوبين، لكن ما أوجعني حقاً رواية بائعة الخبز: لن تحرمني منها، أعرف سوف تعيد لي كل شيء دونها، فهي الوحيدة للكبار، كيف أقنعها أن بائعة الخبز ليس قصّة حب؟
تلك الليلة، لم تنم أختي إلا بعد أن أنهت قراءة بائعة الخبز، فكما توقّعت، لم تشعر بريبة إلا من تلك الرواية، وكانت أول كتاب تقرؤه وآخر كتاب للآن.
أعادت لي كل الكتب، ولكن بعد تهديد ووعيد باستمرار وتشديد المراقبة، ووعدٍ مني أن لا أقرأ روايات عبير، وأن أنتبه لدروسي.
وعدتُ ولم أفِ بوعدي، قرأت من روايات عبير ما فاق قراءتي للألغاز، لكني لم أكن أجرؤ على الاحتفاظ بالروايات، كنت أعيدها للمكتبة التي صارت تعطيني الرواية بأقل من نصف سعرها الأصلي، لأني أعيدها للمكتبة بعد قراءتها لأطلب غيرها!
الآن، كلّما ذكّرت أختي الكبرى برهاب الخوف الذي مارسته عليّ ضحكنا، وكم ضحكت حين أخبرتها أن مراقبتها لي، علّمتني عشرات الطرق في إخفاء قراءاتي ورواياتي.
أبتسم، حين أقرأ خبر منع كتاب أو محاكمة كاتب، أبتسم ألماً ربما أو سخرية، المنع لا يوّلد إلا مزيداً من رغبة في المعرفة، ومزيداً من فضول الاطلاع على ما مُنع.
شكراً أختي على حرصك، فبسببه قرأتُ وقرأتُ وقرأتُ وعشت تفاصيل عشرات القصص
شكراً أيها الرقيب، بسببك تعرّفت على كثير من الكتب الثمينة التي لولا قسوتك وربما جهلك وغطرستك ما عرفتها!
دمتم بود

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : يوم بيوم | السمات:يوم بيوم
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























نوفمبر 30th, 2008 at 30 نوفمبر 2008 2:37 ص
دائما الممنوع مرغوب
عندي سؤال يا بسمة
لو تركت الامور هكذا على حالها على طبيعتها
ما حدا يبلش بحدا
ما فيه رقابة على اي شيء
كل واحد رقيب على حاله والله رقيب على الكل
هل يصلح شان العالم
يا ريت
تحياتي بسمه
عمك ابو منكوش
نوفمبر 30th, 2008 at 30 نوفمبر 2008 5:12 ص
صباح الخيرات عمي أبو منكوش
بداية سعدتُ اليوم بالتعرف إلى مدونتك، وأتفق معك بكثير من النقاط في موضوع “يخلي عظامه تطقطق”
عمي،
لا، لن يصلح شأن العالم (لو دار كل واحد على راسه) ولكن كلما اتسعت دائرة الحرية كلما كان الإنسان أكثر انفتاحاً على الحياة وأقدر على الإبداع. وتالياً سيكون حسه بالمسؤولية أعلى.
بالله عليكَ، أليست عملية منع بعض الكتب هو السبب الأول والأخير لشهرتها؟ أليست بعض عمليات المنع أدت لحرمان الآلاف من بعض الكتب القيمة؟
مجرد رأي
والله لا يطقطق لك عظام بالعاطل
شكراً
ديسمبر 1st, 2008 at 1 ديسمبر 2008 8:46 ص
صديقتي بسمة،
كم تدهشيني
التفاصيل التي ترويها تضفي على كتاباتك طابع من الحميمية المحببة التي تختزل أي حواجز بينك وبين القارئ.
“أبتسم، حين أقرأ خبر منع كتاب أو محاكمة كاتب، أبتسم ألماً ربما أو سخرية، المنع لا يوّلد إلا مزيداً من رغبة في المعرفة، ومزيداً من فضول الاطلاع على ما مُنع”
فعلاً أفضل طريقة لترويج كتاب أو اسم كاتب هو تعريضه لمقص الرقيب.
بانتظار المزيد من التحليق مع المزيد من التفاصيل
سلامي بسمة
ديسمبر 1st, 2008 at 1 ديسمبر 2008 12:25 م
صديقتي عبير
سعدتُ جدا لمرورك، أشكركِ جزيل الشكر
نعم، كل ممنوع مرغوب، ليت هناك احصائيات تقول حول نتاج سياسة منع الكتب؟
وهل حقاً يحدث منع للكتب في ظل وجود الانترنت؟؟
وسعيدة أن الموضوع قد راق لكِ
دمت بود
ديسمبر 1st, 2008 at 1 ديسمبر 2008 12:44 م
العزيزة بسمة…..
من خلال هذه المقالة اود القول انك ذكرتني بما مضى من ايام المراهقة مع مغامرات روايات عبير, عندما كنت ايضا اخبأها لانها كانت تعتبر من المحرمات في عالم الاسرة لكني لازلت اذكر اني قرأت اكثر من 50 رواية تحت باب الفضول
اشكرك على هذه المقالة التي عادت بي الى الوراء والى ذكريات المدرسة وصديقات المدرسة التي اشعر بالحنين لهم والى شقاوة تلك الايام
ديسمبر 1st, 2008 at 1 ديسمبر 2008 4:09 م
موضوع جميل ،
الرقابة مطلوبة ، و الحرية مطلوبة و التوجيه مطلوب ، ولكن المشكلة هي أن الاهل في معظم الاحيان يقفون إما بين متهاون مفرّط أو متشدد متعصب ، وفي الحالتين تكون النتائج سلبية على المراهق و على الاهل أيضا - الا من رحم ربي ،
المطلوب دائما هو الاعتدال و الحكمة في التطبيق ،
مع التحية
ديسمبر 1st, 2008 at 1 ديسمبر 2008 9:47 م
الموضوع أكثر مِنْ رائع، وأسلوب الكتابة رائع، كذلك. شكراً جزيلاً بسمة على هذه التدوينة، التي قرأتُها بلذّة متناهية؛ وذلك أنّها تحمل مِنَ التشويق ما يجعل عينيّ القارئ تلهثان (حقيقةً ومجازاً) وراء كلّ كلمة.
ديسمبر 2nd, 2008 at 2 ديسمبر 2008 7:13 ص
ندووووووووش
فرحت لتعليقك على الموضوع، يعني مش أنا لحالي كنت أقرأ بالسر؟
ياااااااا لقائمة الممنوعات والمحرمات التي تُقذف بوجوهنا منذ الصغر..!
لكني فهمتُ منكِ أنك كنتِ أقدر مني في إخفاء الروايات والاحتفاظ بها، أنا لا أملك ولاااااااا واحدة!
بينما ما زلت أحتفظ بعشرات الألغاز
شكرا ندوش ألف شكرااااا
أحمد يوسف
صرتُ أنتظر مداخلتك في مواضيعي، أشكر لك متابعتك، ألف شكراً
دمتَ بكل الخير
هشام غانم
شكراً لمرورك، وسعيدة أن الموضوع راق لك، بالمناسبة الجريدة رفضته لطوله!
أشكرك جزيل الشكر ودمتَ بكل خير وود
ديسمبر 2nd, 2008 at 2 ديسمبر 2008 4:31 م
تحياتي
مضى زمن غير يسير مذ أن قرأت لك..
هي صدفة أخرى للقراءة والتعليق..
في المرات السابقة لم تردي بشيء
في مدونتي ..لست أدري لماذا ..
لكن لا علينا ما كتبته فيه الكثير جدا من الجمال..
والفرح..والطفولة المقاتلة من اجل المعرفة..
شكرا لك ..لقد اعدتنا لسني الطفولة البريئة..
بكل براءة أحييك..
ديسمبر 3rd, 2008 at 3 ديسمبر 2008 5:30 ص
الأستاذ وافق أصيل
تحية صباحية طيبة، أشكر لك زيارتك لمدونتني، وأعتذر منك لعدم ردي في مدونتك للآن
دمتَ بخير
ديسمبر 15th, 2008 at 15 ديسمبر 2008 5:21 ص
كيف حالك يا بسمة
كل عام وانت بخير وصحة وسلامه
ولو انها متأخرة لكن ما عليش… الخير كويس مهما تأخر
الله يلعن الشيطان …. نساني حالي .. وما عايدت عليك
المسامح كريم .. وانت بتسامحي
ليش ما زرت عمك ابو منكوش بالعيد
لا ..لا..والله حقك علي …انا اللي لازم ازورك
على اي حال لي عندك طلبين
الاول تزوريني عشان اتشوفي الموضوع الجديد ….يمكن يعجبك…يمكن
الثاني لا تقطعيني من زيارتك …ولا تظلي تستني اعزمك حتى اتزوريني
انت وين يا بسمة طلاتك قليله …عسى خير انشاء الله
بخاطرك عموه
الله معك
عمك ابو منكوش
يناير 3rd, 2009 at 3 يناير 2009 1:10 م
كتير رجعتيني لأيام زمان ..
الشياطين ال13 وتختخ ولوبين ..
المهم..
أحكيلك أمي ما بتعرف تقرأ ولا تكتب بس أي كتاب يساري او مرتبط بأي شكل لماركس
او لينين أو حتى بمر مرور من عندهم كانت تميزه وما بعرف كيف وكانت أشد من دائرة المطبوعات والنشر .. طبعا خوف علينا أيام ما كانت هاي الامور بتخوف ..
ضروري اسئلها كيف كانت تميز !!
يناير 3rd, 2009 at 3 يناير 2009 1:25 م
أبو منكوش
حقك عليّ، سيدي كل سنة وأنت بخير وصحة وسلامة، أنا أتابع مدونتك دائماً، لا يعني غياب التعليقات، غياب الحضور، ولكن في كثير من الأحيان أرى أن هناك من قال ما أردتُ أن أقول، فلا أجد معنى أفضل من الصمت
فاعذرني.
الاستاذ خاللد السعود
نعم، تلك أيام بعيدة قريبة. خوف الأهل (خوف الرقيب الأول) هو من دلّ والدتك على كتبك!
أشكر لك زيارتك، وحجاً مبروراً، حجي:)
يناير 4th, 2009 at 4 يناير 2009 3:08 ص
اخوتي واخواتي
ابنائي وبناتي
ارفعوا ايديكم معي بالدعاء لاهل غزة
اللهم انصر إخواننا في فلسطين على خونة اليهود وخونة قومهم يا قوي ياعزيز , اللهم اخذل من خذلهم , اللهم اجعل الدائرة لعبادك في غزة , اللهم قوِّ عزائمهم , واربط على قلوبهم , وسدد رأيهم , وصوِّب رميهم , وأمدهم بمدد من عندك , وجند من جندك , وأبدل خوفهم أمنا , وذلهم عزا , ومهانتهم كرامة , وفقرهم غنى , وتفرقهم إلفة وتماسكا , واشف مريضهم , وأطعم جائعهم , واجبر كسيرهم , وفكَّ أسيرهم , ويسِّر عسيرهم , واجعل لهم من كل همٍّ فرجا , ومن كل ضيق مخرجا , ومن كل بلاء عافية , ومنَّ عليهم بفتح مبين .
اللهم لاتكلهم إلى أنفسهم , ولا إلى أحد من الناس , وأغنهم بك عمَّن سواك , والبسهم لباس الصحة , واقلب محنتهم منحة , وعَبْرَتهم بسمة , وترحهم فرحا , واجعلهم شاكرين لنعمك , مثنين بها عليك قابليها .
اللهم أمكنهم من رقاب عدوهم , وسلطهم عليه فيسوموه سوء العذاب , اللهم افضح من فضح لهم سرَّا , أو هتك لهم سترا , أو تمالأ مع عدوهم عليهم ياقوي ياعزيز .
آمين يا رب العالمين