العيد الثامن
كتبهابسمة فتحي ، في 26 كانون الثاني 2009 الساعة: 17:55 م
تمضي أيام صالح متشابهةً رتيبةً، لا يدري كيف استسلم للروتين أو متى؟ تقتصرُ أيامُه على عمله وبيتِهِ الهادئ البسيط؛ حين يعود إليه يفتح التلفزيون ويرفعُ صوَته عالياً؛ لا يتابع برنامجاً أو مسلسلاً بعينه، بل ليشعر بالحياةِ. يتساءل: "هل التلفزيون حَيْ؟!". يرتبك كلما اضطرّ لعمل صيانةٍ في منزله: سباكة، كهربة، أو نجارة، يزعجه غسل ملابسه كثيراً ثم إرسالها للمكوجي، وغيرها من الأمور البسيطة؛ التي تشغل باله وتؤرّقه بينما تمر عاديةً بحياة الآخرين دون أن تؤثّر على أيامهم.
تكررتْ في دفتر مذكّراته جملة: "لا بد أن أتغيّر!".
***
كان من عاداته أن يجلس كل مساءٍ في حديقةٍ عامة، يلجأ فيها إلى مقعدٍ خشبي لم يفكّر في استبداله منذ زيارته الأولى، يتأمل كلَّ ما حوله بحيادية، لا يتحدّث إلى أحدٍ كما لا يتحدّث إليه أحدٌ. يحب رائحة العشب، وأشجار السّروِ، يتساءل: "كم صيف وشتاء مرَّا على أغصانها وفروعها، هل تعرف الأشجارُ أسماءَ زارعيها؟ هل تشعرُ بالوحدةِ أم تنشغل بقصصِ من تفيئوا بظلّها؟!"
***
يأخذ حماماً ساخناً استعداداً للنّوم. كان قد تخلّى عن عادته في متابعة التلفزيون، أو القراءة في السرير، لم تفلح معه حيلة، يتعبهُ الأرق، أقلّ الأمورِ أهميّةً تقدر على حرمانه من النوم فيترك سريره، ويكتب في دفتر مذكراته.
كتب في إحدى اللّيالي: "لماذا لم أنصح سليم أن يراعي صحّته أكثر؟ سمنته الزائدة سببٌ في ارتفاع الكوليسترول والضغط. لماذا حواري مع زملائي لا يتعدى حدود العمل والرسميات؟! ماذا يؤّثر على العمل إن حضرنا بالبيجاما؟ تعيقني البدلة الرسمية عن الحركة".
كتب كثيراً تلك الليلة وختمها بـ: "أيّها اللّيل السهران، لستُ وحدي في هذا العالم!"
***
بينما كان يجلس في الحديقة؛ جلستْ امرأةٌ إلى جانبه، فكّر؛ أن أحداً لم يشاركه مقعده من قبل، لم يتبادلا الحديث، غير أنه شعر بأُنسٍ لم يألفه من قبل، حاول أن ينظر إلى وجهها، لا يوجد وجهٌ يعنيه على وجه الخصوص، فالوجوه جميعاً تترك الأثر نفسه في روحه. تكرّر جلوسها بجانبه، لم يسألها عن اسمها كما لم تسأله، قدّم لها قطعةً من الشوكولاته، أعطته منديلاً حين دلق كوبَ قهوةٍ على قميصه، عدا ذلك كانا يلوذان بالصمّت، مكتفيين بعفويّة اللقاء.
كتب في دفتره: " صارتِ المرأةُ الحديقة"
***
كان يدركُ ما تحدثه الوحدة في روحه، يتعاظم إحساسه بالعزلة في عطلة الأسبوع والأعياد. الساعات طويلة، لكن شراء حاجيّات البيت وإعداد الطعام لا يأخذ وقتاً طويلاً. فكّر بالذهاب إلى السينما، تمنّى دعوة امرأة الحديقة، لكنه لم يعد يراها.
كتب في دفتره: " كيف تكون الحياة بأيامٍ متشابهة، وهل يحيا من يخاف حياةً جديدة؟!"
***
احتار كيف يحتفي بنفسه. تذكّر عيدَ ميلاده الثامن. كان طفلاً مليئاً بالنشاط، فرحاً بالزينة المعلقة في أرجاء البيت، قالبِ الكعك والشمعات الثمانية فوقه، طرابيش كرتونية ومزامير. بدا له الزمن قريباً، حنوناً، جميلاً، مُحاطاً بوالديه وأخوته وأطفال آخرين لا يذكر أسماءهم.
كتب في دفتره: "أحقاً كان عيد ميلادي رائعاً؟ أم أن شَرَك الحنين إلى الماضي يورّط صاحبه؟!"
***
اشترى سجّادةً جديدةً لغرفة المعيشة. أجهد جسده بتنظيف المنزل. زيّن الغرفة، اشترى قالب كعك، واسطوانة موسيقى برتمٍ سريعٍ، وشمعات معطّرة. استبدل دفتر مذكراته بدفترٍ جديدٍ، ليبدأ حياةً مختلفة. كتب في أول صفحةٍ: "لن أكتب الليلة، سأحتفل دون كتابة!"
أخذ حمّامه المعتاد، أضاء الشمعات. غلبه النعاس فنام. أيقظته أشعة الشمس، نظر حوله؛ كانت الشمعات قد انطفأت، لمح الزينة وقالب الحلوى والدفتر الجديد؛ كُلّ تلك التحضيرات تؤكّد أنّه احتفى بنفسه جيّداً ليلة البارحة. نهضَ فرحاً على غير عادته، ثُمّ ذهب إلى عمله الذي يكثر فيه المتعبون المطحونون…
26/12/2008
الجمعة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص | السمات:قصص
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يناير 27th, 2009 at 27 يناير 2009 8:24 ص
نعم هو شرك الحنين من يورط صاحبه .. ويسحبه الى أعماق لم يطن به أصلا !!
من الأفضل لك الكتابة دائما بالمدونة ، يعني لنقرأ ما يستحق القراءة .
يناير 27th, 2009 at 27 يناير 2009 8:58 ص
جميل جدا بسمة
تحياتي
عبير
يناير 27th, 2009 at 27 يناير 2009 10:38 ص
الأستاذ خالد السعود
سعيدة جداً أن مدونتي ترقى لمتابعتك
دمتَ بكل الخير والود
عزيزتي عبير
الجميل هو متابعتك، سعيدة أنك زميلتي في العمل وصديقتي
دمتِ بكل هذا الجمال
بسمة
يناير 30th, 2009 at 30 يناير 2009 5:53 م
اشفقت على صاحبنا هذا ،
و على كل هذه هي الدنيا
نص جميل كالعادة اخت بسمة
ملاحظة: قمت بارسال ايميل على عنوانك على مكتوب ، ارجو الاطلاع عليه
مع التحية
فبراير 5th, 2009 at 5 فبراير 2009 12:09 م
معجبة كبيرة بكل ما تكتبينه، نصوصك جميلة وملىء بتفاصيل وافكار قد نغفل عنها او ننساها وسط مشاغل الحياة اليومية ، أكثر الأشياء التى أحبها فى كتاباتك هو حديث الكتب ، فأنا مثلك شغوفة بهذا العالم ..سعيدة أكثر بوصولى لمدونتك التى سأعود لتفحصها والتنقيب بين سطورها (بلغة الآثريين) ..لك مودة باتساع السماء على رأى الملائكية فيروز ..ايناس المنصورى (باحثة آثرية ، ليبيا)
فبراير 6th, 2009 at 6 فبراير 2009 10:59 ص
الأخ أحمد يوسف
أشكر لك متابعتك وقراءتك، دمتَ رائعاً
الأستاذة إيناس المنصوري
سعيدة أن محتوى مدونتي ينال رضاكِ، وأن أكون عند حسن متابعتكِ دائماً، أما حديث الكتب، يااا للكتب يا صديقة
شكرااا
فبراير 21st, 2009 at 21 فبراير 2009 8:48 ص
جميل جدا يا بسمة. كتابة تلامس شغاف القلب…
رايت نفسي في هذه القصة وكأنها ليّ…
محمد عمر
فبراير 23rd, 2009 at 23 فبراير 2009 6:01 ص
الأستاذ الجميل محمد عمر
كم سعدتُ بمرورك على مدونتي، وأن القصّة أعجبتكَ
أبعد الله عنك الملل والروتين، مرات كثيرة نغرق في شركه، تمضي بنا الأيام لا ندري كيف، قد توقظنا شعرة بيضاء في الرأس، أو تجعيدة أسفل العين..!
دمتَ بكل الخير والود
فبراير 24th, 2009 at 24 فبراير 2009 10:54 ص
تحياتي
نسق سردي بارع ..متألق..رائع..يمد القاريء باحساس
مميز..احساس آخر..يسوده الهدوء..والسكينة..يتمازجان
بشيء من لحيرة..في البحث عن كيانات الحياة المبعثرة بشيء
من الحدة..بين ثنايا الأيام المنسحبة..بين عمل متواتر..
وفراغ ممل..ويبقى السؤال : لماذا؟؟؟
دمت مبدعة..راثعة..بالف الف خير..
مارس 1st, 2009 at 1 مارس 2009 8:55 ص
الأستاذ وافق أصيل
سعدتُ جداً جداً بزيارتك وأن القصة أعجبتك. أشكرك جزيل الشكر
أما سؤال الـ “لماذا” يا ليت نعرف، لربما تغيرت أشياء وتبدّلت.
دمت بود
بسمة
مارس 23rd, 2009 at 23 مارس 2009 6:54 م
بانتظار ادراجاتك الجديدة
مرور للتحية