عووو….
كتبهابسمة فتحي ، في 28 كانون الأول 2006 الساعة: 16:58 م
محمد زيدان

..
الهاجعون في القرية ، المحدقون بعيون الليل ، لابسو فتنة الصحو ، خالعو أجسادهم على أعتاب الخدر اللذيذ ، لصوص الساعات الأخيرة ، والمعانقو شقاء أعمارهم في النهارات الطوال..
الأتقياء ، الفسقة ، المصلون الخمس ، المذنبون والعصاة..
العشاق ، الداعرون ، الطيبون ، الفجرة ، بيض القلوب ، وحاملو نفايات البغض البشري في مساماتهم العكرة..
السكارى ، مدخنو الحشيشة ، معاقرو النارجيلات ، الشرطيون ، العسكر ، موظفو العلب الحكومية ، الباعة المتجولون ، والتجار…
النساء ، الأطفال ، أصحاب التكايا ، الدراويش ، التلاميذ ، المدرسون ، الفلاحون والعمال…
كلهم.. ألفوا عواءه الممتد بحرقة ينفطر لها قلب الحجر..
..
عووو….
- سعدود .. تعال ..
أحد الأطفال يلوح له بعظم..
منذ يومين لم يذق شيئا..!
(لم يكن يكتفي بالماء الذي يكرع منه كلما انتهت ربيعة من تشطيف حمام الحاج وتركت له السطل الأحمر عند زاوية الممر.. ولا يقيم الماء وحده حياة نملة.. لكن صابرين ، وحين وجدته نائماً على أريكة الصالون ذلك الصباح النكد ، أقسمت أن لا تترك له طعاماً يلغ فيه بفمه حتى لا يوسخ الشراشف البيضاء والملاءات النظيفة.. وأصبحت تضع بقايا الأكل في كيس أسود وترميه في صندوق القمامة الكبير ليأتي عمال النظافة ويحملونه بسيارتهم بعيداً)..
عو عو..
- سعدود هيا..
الطفل يرمي العظم على التراب..
(قبل مجيء سيارة الحرمان.. ولم يكن في حسابات صابرين أن الجوع سيدفعه لنبش الكيس.. فعل.. فتمزق ، وساحت أكداس الأكل على البلاط المصقول.. نبش فيه بأظافره ، وبدأ يكركد بقايا اللحم والعظام..)..
عو…
- سعدود..
يلتقط الطفل العظم ويقذفه في اتجاهه.. ينطّ إليه ، تلسع أمعاءه أفاعي الجوع.. يقلّبه بين مخلبيه ، يزرعه بين أسنانه ، وينطلق بعيداً..
(تدخل صابرين ، فيصعقها مسُّ الفوضى التي تستعمر المكان! ، المكنسة.. بسرعةٍ مباغتة تلتقطها ، وتطرق مخه بمسٍّ مضاد.. يرتجّ مفجوعاً ، يعوي ، يسبح منـزلقاً في مخلفات الدمار الذي أحدثه.. يرطمه الحائط ، ويفلته كقطعة مطاط خارج زوبعة القعقعة والهدير..)..
عوووو..
- هكذا..؟ ! إلى متى تظلون ساكتين عليه؟ ، لا بد من علاج لحالته هذه..
الجارة عواشة لا يعجبها العجب ولا عواء سعدود..!
- ماذا يجب أن نفعل؟ الحاج لا يريد الفضيحة ، والجميع لا يستطيعون اختراق حاجز الصمت..
لا تجيب ربيعة إلا بهذه الكلمات ، ولا ينبغي لها..
…
الليل يرسل جنده السمر إلى منافذ القرية ، كإعلان عن قرب موعد حصاره اليومي لها.. الشمس تتنازل عن عرشها السماوي للملك القادم على أجنحة الغيم.. تستميت فلول النهار في الدفاع عن آخر نقطة ضوء يتيحها المدى المحتضر.. تتراجع.. تخور.. تنسحب.. تستسلم.. وترث العتمة كل شيء..
يسرع الأهالي إلى بيوتهم محمَّلين بالمؤن ومتطلبات الحصار ، يقفلون الأبواب والنوافذ ويتسربلون بالدفء والشخير.. وفيما يهجع البعض ويصحو آخرون ، ينطلق في سكون المشهد صوتٌ وحيد:
عوووو….
…
سعدود صديق الليل. لا غيره يمنحه تذكرةً لسفر العتمة..
وحده سعدود يمتلك إذناً خاصاً بخرق الحصار الطويل والتجول في طرقات القرية المسكونة بالخوف والصقيع كيفما شاء ، ووحده أيضاً يحق له إطلاق صوته الحاد ليثقب غشاوة الصمت البليد الذي يرين على قلوب الجميع حين ينشر الليل دورياته في الشوارع المهجورة..
عووووو….
مفرداً ، يتسكع في الأزقة الخاوية ، يحفّ الحوائط الملساء بكتفيه ، ويتوقف أمام أحد الأبواب.. يحني رقبته كأنما يتسمّع ما وراء النوم ، يشمشم الأقفال النحاسية ، فتلسع خيشومه بمسٍّ بارد.. يرتجف معيداً ما راق له من عبثٍ معربد ، ثم ينطط على الرصيف مزهواً بما نال من نشوة اللحظة.. يتقافز تحت مسيل الضوء الذي يسكبه القمر ، يدور في حلقة الظل ، يرقّص ذيله ، يقف على قدميه ممططاً رأسه نحو ثقب السماء الأبيض ، كأنما سيقضمه.. يقعي منهمراً على الحلقة.. يعارك ظله لحظات ، ثم يجفل بعوائه مهزوماً بخيبة الاكتشاف الأخير.
ينتبذ بين الحقول مكاناً شمالياً ، يفترش الأرض ، يلتحف النجوم ، ويغفو..
(الحاج ينتصب بين عينيه وفسحة الممر.. يأخذه من رقبته ساحباً معه عواءه المسلوخ إلى حيث ثلاثة رجال بلباس أبيض ينـزرعون على الرصيف.. يرصّونه بينهم ، وتنطلق السيارة إلى مكانٍ بعيد..)..
يتقلب في الإغفاءة.. تعبره رعدة.. يرتجف.. يغرز مخلبيه في دفء الطين ، وينكمش في داخله..
(أحد الرجال يحكم قبضته على عنقه ، يسلخه من كرسيه ويعلكه متكوماً على الرصيف.. تمتد سيقانهم في المسافة ما بين عينيه ورؤوسهم المتدلية من السقف الشاحب.. يميلون عليه دفعةً واحدة ، و.. يتحول المكان بأسره إلى كتلة من هلام أحمر تلطخه بقع عجينية بين الأصفر ، البرتقالي ، الأخضر ، والأسود.. ثم ، لا شيء..)..
- حتماً سيموت.. بهذه الطريقة.. يموت..
كأنما العجوز ذو المعطف القصير يقرر فجأةً شيئاً غير متوقع!
- كل زوار هذه المصحة هكذا.. هل يعرف أهله ما يحدث؟ !
كأنما الشاب ذو النظارة الكبيرة لا يدري ما يقول..! !
…
عوووو …
يتمطى على السطح الطيني الرخو ، مفسحاً لدمه المتخثر عناق ما تدلقه الشمس من دفءٍ لذيذ.. يمرّغ جسده برماد الأمس ، ثم يفزّ مطلقاً ساقيه لرياح اليوم..
…
يمتشق ظلُّه الغبار..
…
القرية ، تنبعث من رقادها الطويل. تصحو ، تفرك عينيها محاولةً كنس بقايا النوم المتكدس في الأجفان المحتقنة بتفاصيل ما دار ليلاً خلف الجدران.. تتمطى ، تتثاءب ، تعلق على كتفها منشفةً حمراء وتدخل غرفة الانشراح..
تسكب جسدها المقرور في أبخرة الحميم المتصاعد ، تدلكه بالفقاعات الملونة ، فيسري الدفء في العروق الظامئة لشهقة الحياة.. يغمرها انتشاءٌ صاعد من أسفل القدمين حتى رجفة الصدر الأعلى.. تنثر جدائلها على ضفاف الجسد المتهالك من أثر الهجوع.. تنـزلق في دوامة الخدر الطاغي على الحواس المنفلتة الآن من سطوة الوعي.. تضج بالشهوة.. تتفتح في ألق التخيّل كوّةُ التجلي ، ويهبط ملاكٌ أبيض بأجنحةٍ وردية ، يناغي الجسد الممدّد ، ويمنحه أصابع النار التي تحرر الروح من صدأ الخطايا العالقة.. تمرر الأصابع على العشب الغافي بدلال على وهاد الأرض الحمراء.. ارتجاف.. زلزلة.. يهتز المكان ، يتشظى ، يتلاشى ، ويتبركن الطين نافثاً دخانه ومدلقاً مسيله الناري على حواف التلال المعشبة..
تخور.. تسكن.. تهدأ.. وتنبت زهرة الصباح في رماد الجسد.
تغادر ، تكوي فستانها ، تسرح شعرها ، ترش العطر على عنقها ونهديها.. تتناول إفطارها ، وتزف نفسها عروساً لنهارٍ جديد..
…
عوووو…
صوته يخترق زحام المارة ، يعيد لرؤوس الكبار الصور القديمة لصبوته ، ولوجوه الصغار ملامح مكرهم العبثي لاستفزازه ، فتطير الحوقلات وعبارات الأسى هنا وهناك ، وتنسرب الوشوشات الخبيثة في آذان الصغار:
- لا حول ولا قوة إلا بالله..
- …… ، ….. اها اها اها.. قريب قريب..
يقسم عامل المقهى لزائره الغريب أن الحاج لم يترك طبيباً ولا فقيهاً من أجله. لكن المكتوب يا غالي.. العين صايبة والاقسام ارزاق….
هكذا يفسر سالم بن بشير الأمور دائماً.. كل شيء قسمة ومكتوب بنظره! ، لكنه يغتال قناعاته بسرعة مباغتة حين يغادر الزبائن ولا يتركون بقشيشاً على الطاولة..
- الله لا يوسعها عليه.. ايش يضره لو خلى قرشين.. أمّا والله جلدة!
يتفرق الصغار حسب الخطة ، يتوزعون على ناصيتي الشارع العام.. أحدهم يراقب سعدود حتى خروجه من منطقة التجمع.. وحالما ينفرد المسكين وحيداً في الخلاء ، يطلق الصغير إشارته الصفيرية الحادة ، وينهمر القطيع دفعةً واحدة في اتجاه سعدود ، مطلقين عليه رشاشات الحجر وعلب الصفيح الفارغة ، والأحذية..
عووو.. عوووو…..
يغالب تخبطه المفاجئ في وحل الآلام ، يصارع ثقلة الجسد المهدود من أثر اللطم المباغت ، وينفلت بجراحه في أقصى المدى ، مخلفاً وراءه صياح الصغار ممزوجاً بغبار المؤامرة..
- حالة.. يا الله.. بالك يهدي الحاج.. الصبح قال بيرفعه للمدينة..
نفث المهدي دخان سيجارته على طرفها المشتعل ، فتوهج.. سحب نفساً جديداً وأخرجه محمّلاً بكلمات أمنيته الأخيرة:
- يا رب يا برهوم يخليني نمشي معاه..
- ان شاء الله..
…
عووو..
يجري.. يلهث.. يقفز فوق الأسلاك الشائكة التي تزنّر عيدان النخيل والقصب.. يجري.. يلهث.. المسافة تتكور أمام عينيه ، وتهتز نخلات الحقول في ما يشبه رقصة زلزال يوشك أن يقع فيقتلع كل شيء من مكانه ويطوح به في الفضاء..
يجري.. يلهث.. ينـزلق.. يسقط في حزمة الجريد اليابسة ، تخزه الأشواك ، يقفز ، يجري.. يسقط.. يقوم.. يجري.. يلهث.. تنفتح شاشة الرؤى وتتداعى الصور أمام عينيه لقطةً لقطة..
(برهوم يمسح العرق المتصبب على جبهته ووجنتيه بأصابع مرتعشة ، ويعبر المهدي الحشد المتراصف أمام اللوح الزجاجي محاولاً الوصول إلى الجهة الأخرى ، حيث يتكدس جمع من المنتظرين حول باب ينشق بين حين وآخر عن وجه فتاةٍ عصبية الملامح ، تحاول التقاط وجهٍ ما يشبه سعدود.. فيما يغوص وجه سعدود بين ذراعي برهوم ، محاولاً بدوره التقاط ما تناثر من حديثٍ بين رجلين ، يعبر أذنيه بتشوّش حاد:
- أليس…. سعدود؟… ما به.. ؟ !
- …. ومنذ ذلك الحين.. وهو يعتقد أنه كلب….)..
صيف عام 96
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : نصوص أدهشتني | السمات:نصوص أدهشتني
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























