الحنين الآثم للكتاب المُعـار

كتبهابسمة فتحي ، في 15 نيسان 2007 الساعة: 19:32 م

"من يسرق كتباً، أو يحتفظ بكتب كان قد استعارها، عسى أن يتحوّل الكتاب الموجود في يده إلى أفعى رقطاء، وعسى أن يُصاب بشلل ارتجافي قاهر وأن تُشلُّ جميع أطرافه، عسى أن يصرخ عالياً طالباً الرحمة وعسى ألاّ تنقطع آلامه إلى أن يتحوّل إلى رمّة متفسّخة، وأن تعشعش الديدان في أحشائه مثل دود الموتى الذي لا يفنى. وعندما يمثل أمام يوم الدين لتلتهمه نار جهنم إلى الأبد."

هذه الفقرة التي تبدو قاسية جداً ومريعة، تحذير معلّق في مكتبة "دير سان بدرو" في برشلونة. حين قرأتها أول مرة في كتاب "تاريخ القراءة" لـ ألبرتو مانغويل الصادر عن دار الساقي بترجمة سامي شمعون. ابتسمتُ وتمنّيتُ لو أستطيع كتابتها على الصفحة الأولى من كل كتاب في مكتبتي المتواضعة..!

في معظم الأحيان، لا أبخل بإعارة كتبي لمن يطلبها، وفي الوقت نفسه، لديّ سِجلٌّ أدوّن فيه أسماء الكتب المُعارة، اسم مستعيرها، وتاريخ الإعارة. وتبقى عيني تنتظر تلك اللحظة التي أضع علامة (صح) أمام الكتاب إشارةً لإعادته!
أعير الكتابَ بطيب خاطر، وبفرح أن هناك من سيشاركني في قراءته، وأُمنّي نفسي بمناقشة أو تبادل الأفكار حوله. وأدعو أن يكون مستعير الكتاب لا يعرف أو على الأقل لا يطبّق:"غبيّ من يعير كتاباً، وأغبى منه من يعيده"!

إنني أرى أو أفضل أن يقوم مستعير الكتاب بالحفاظ عليه أثناء قراءته، وإعادته غير مدبوغ ببقع الزّيت والزّعتر، لم أتخيل أيضاً أنني سوف أضيف أثر حريق السجائر، إذ أعادت لي زميلتي رواية شيفرة دافنشي لدان براون بآثار حروق على طرف الكتاب، حين غالب النعاس زوجها وهو يقرأ ويدخن!

مرّة قالت لي أختي: "يعني لازم تعملي لي فيلم رعب كل ما أستعير منك كتاب؟!"
المشكلة أن "أفلام الرّعب" لا تؤتي ثمارها دائماً، وإلا لما عادت نسختي من مذكرات إدوارد سعيد "خارج المكان" (مفَشْفِشة) حينما انزلقت أختي في طريقها ببركة ماء، فاحتضن الماء الكتاب، وأما رواية "الآن هنا" لـ عبد الرحمن منيف لم تعد للآن، وحين أختفتْ "موت السرير رقم 12" لـ غسان كنفاني، ورواية "الخميائي" تقادمت على رفوف صديق قديم.

رغم رفضي القبول بنسخ (بَدَلْ) عوضاً عن النّسخ المفقودة، فالنسخة التي أقرأها، جزء من: إحساسي، تجربتي، وقتي، ذكرياتي، معلوماتي. وأن النسخة الجديدة ليست مثل سابقتها..!

حين أشرع بإعارة كتاب ما، يمتزح القلق عندي بالحنين!
قلق عدم عودة الكتاب إليّ، مع الحنين إليه. لا شعورياً أبدأ بتصفّح الكتاب قبل إعارته، أجد نفسي أعيد قراءة بعض الفصول والأبواب، أرغب بإعادة قراءة الكتاب كاملاً، وأن الإعارة الآن هي المعوّق والحارِم الوحيد للكتابة عنه..!

يحدث هذا كل مرة، رغم أن الكتاب مركون في المكتبة منذ أشهر أو سنوات على آخر مرة قرأته أو تصفحته. وفي كل مرة، ألوم نفسي على إثم الحنين، وأعير الكتاب على أمل عودته، وإعادة قراءته مرة أخرى، وأشكر –بيني وبيني- طالِب الكتاب أنه أحياه مرّة أخرى وزيّنه في عيني ومتّعني بإعادة قراءة بعض فصوله قبل إعارته. تماماً كما حدث، حين تذكرتُ طلب زميلتي فاطمة لرواية "رأيت رام الله" لـ مريد البرغوثي، إذ بسببها، أعدت قراءة نصف الرواية..!

تعجّبت حين أخبرني الأخ والصديق ياسر حجازي (يوشا) أنه في فترة من الفترات استغنى عن ربع مكتبته. مجرّد الفكرة لدي مُستهجنة، لكنه أسكتني حين قال:
"نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة،
فكيف أبكي على شيء إذا ذهب!"

تمنّيت –ولا زلتُ- أن تصل إليّ قناعته. فهل أستطيع في يوم ما؟

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عروض ورؤى | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

8 تعليق على “الحنين الآثم للكتاب المُعـار”

  1. في البداية اقول ان نفسي التي تملك الأشياء ليست بذاهبة وستخلّد لأن النفس هي المعنى والمعنى لا يتناهي إلى مسامع الأبدية : هو أغنية الطين السابحة بين دقائق الأثير.

    أما عن رأيي في إعارة الكتب فسأقولة بعبارة أخرى : لدى أخي مكتبة ضخمة أو أكثر من ضخمة ومعضم الكتب التي أشتريها موجودة في مكتبته …….. لماذا؟ لأن الكتاب إذا سكنك يصيبك بالجنون.

    تحياتي أخت بسمة

  2. سرقة الكتب،

    كأني بـــمعلم قديم قابلتــه في مطلع العمر أباح لي سرقتين: “الطعام، والكتب”، لكنه اشترط عليّ الحاجة والكفاية.

    وإن كنت أفهم ذلك في الطعام، فإنها تبدو صعبة بعض الشيء في مجال الكتب، إذ مِنْ أين تأتي الكفاية!!!! وكيف أحدد الحاجة؟؟ لكنني افترض أن الكفاية تأتي عند الإفراغ من قراءة الكتاب. أمّا الحاجة فتكون نابعة من فعل القراءة لا من فعل “شهوة اقتناء الكتب وتزين الرفوق”

    أفكّر أحيانا، أن إبقاء الكتاب أسيرا في رفوق مكتبتي -وهو لي- إثم، فما بالكم أن يكون الكتاب أسير مكتبتي -وهو ليس لي- وقد فرغته من قراءته.

    أظنّ المقايضة “تبادل الكتب” مسألة لا بأس بها في ظلّ الانتفاع المعرفي وتداوله بين الأصحاب، لكن تبقى مسألة النسخة الخاصة، التي أشرتِ لها، وهي مسألة في غاية الخصوصية، ولها سحرها المعقود بينها وبين مالكها. في حالة كهذه ينصح بعدم الاستغناء عن النسخة المدوّن عليها ملاحظات القاريء إلا بعد إفراغ تلك الملاحظات في دفتر جانبي مع الإشارة إلى الكتاب والصفحات وتاريخ الملاحظات أيضا إن كانت تهمّ صاحبها.

    أشكركِ على هذا المقال المؤنس، وعلى “تأثيم” الحنين للكتب المُعارة، وشكراً أيضا على “الإرباك” التي تحدثه المقالة بعد قراءتها على صياغة السؤال التالي:

    “ماذا في رفوق مكتبتي من كتب ليست لي؟”

    لكِ تحياتي،،، وللمقال مآل

    يوشـــــا

  3. فتقت الجروح وذكرى العشرات من الكتب التي ذهبت ولم تعد

    المشكلة أني أؤمن أن الكتاب يجب أن لا يبقى أسير الرفوف

    لكن بكل اسف أن لصوص الكتب يدمرون الرغبة بإعارة الكتاب من أجل الفائدة

    لا سامح الله كل من يسرق كتابا تحت اسم الاستعارة ولا يعيده

    زياد

  4. الأستاذ عامر ملكاوي، سعيدة بمروركَ. أشكرك

    أستاذي وأخي العزيز يوشا

    قرأت مداخلتك عدة مرات، وفي كل مرة أنوي الرّد لكن أضيع بين الأفكار الكثيرة.

    إذ أدهشني تفسيرك للحاجة والكفاية. أشكرك جداً

    فكرة تبادل الكتب، فكرة أكثر من جيدة، لكنها صعبة -كما تفضلت- على من اعتاد كتابة الملاحظات، شخصيا لا أستطيع القراءة دون قلم في يدي أضع خطوطا تحت فقرات معينة، نجوم وملاحظات.

    مرات كثيرة أحتاج للتخلص من بعض الدّوريات التي أجلبها، لكن ما يمنعني هو إحساسي بإثم التخلص من كتب. أخاف من إتلافها كخوف أمي من إلقاء الخبز اليابس أو التخلص منه. أفكر أن أمي تصنع لنا “فتّة” بهذا الخبز اليابس. لكن ماذا عساي أن أفعل بهذه الدوريات؟ أقول ربما سأحتاجها، ربما ستحتاجها أختي الصغيرة ديانا في يوم من الأيام. من يدري؟!

    الشكر لك معلمي على هذه المداخلة التي أسعدتني، جداً.

    أخي الأستاذ زياد جيوسي

    حين قرأت اسمك قفزت كقطّة، سعدت جداً، وأجدني أقول معك اللهم أجب، لا سامح الله كل من يسرق كتبا متعمدا كان بحجة الاستعارة.

    وكذلك لا أجد أي كتاب يبقى أسير رف، لا بد أن تمسك به يد أخرى تقرأه وتقلبه، حتى نحن حين نعيد قراءة كتاب لنا، هل نمسكها بنفس الأيدي التي أمسكتها أول مرة؟ هل يكون تأكثير الكتاب في المرة الأولى ذاته في المرة الثانية؟

    اشكر لك مرورك، وعوّضك الله بكتبك التي غادرت بأخرى أغنى منها

  5. انا رجل اثم .. وارغب باقتراف اثم السرقة من مكتبتي واهداءك اياها..زعن جد بحكي مش عن دويد!!

  6. أستاذ يوسف غيشان.

    لا تمزح هذه المزحة معي، لأنه بلمحة بصر سوف تخسر مكتبتك!

    فأنا سارقة نظامية بهذا الموضوع

    أشكر لك مرورك وكلامك

  7. عزيزتي بسمة ..

    اسمحي لي أن استعير من وقتك ثوان معدودات لأقول لك .. يسعد صباحك .. مرت فترة لم اسمع فيها اخبارك ..

    تقبلي احترامي وتقديري ..

  8. مجهود طيب وعمل حسن

    الحقائق فقط هى التى يريدها البشر فى هذة الدنيا هى فقط تساعدهم على تكملة السير فى ضروبها المختلفة و اوديتها المتشعبة .

    مع الاحترام والتقدير من المهندس السكندرى

    http://mid0.maktobblog.com

    لاحظى الفرق بين الصفر و حرف الؤوو



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



"إن حياتي تتجسد حين أرويها وذاكرتي تتثبت بالكتابة، وما لا أصوغه في كلمات وأدونه على الورق سيمحوه الزمن."
إيزابيل الليندي، "باولا"