عطر باتريك زوسكيند

كتبهابسمة فتحي ، في 18 أغسطس 2006 الساعة: 17:22 م

 
المُستَنشِق عَبَق آخر حرف من حروف رواية "العطر" للكاتب الألماني "باتريك زوسكيند" يشعر بالكثير من العظمة والدهشة، إذا أن الرواية تتيح للمرء أن يحيى عبر صفحاتها حيوات كثيرة، إذ يسبرُ أغوار النفس البشرية بكل ما تحمله من تناقضات وجمال، فيخرج ممتلئاً بالكثير من الدهشة من كاتب يُشعر القارئ الذي قرأ الرواية أصلاً بأنفه أنه يحتاج لأنفه وفقط لأنفه كي يحيى، وما دون الأنف والرائحة هو لا شيء مطلقاً..!
 
باتريك زوسكيند:
ولد الكاتب الألماني باتريك زوسكيند عام 1949 في بلدة "امباخ" على بحيرة "شتارتبرغ"، لم يُعرف زوسكنيد ككاتب إلا عام 1981 من خلال مسرحية "عازف الكونتراباس"، وبعدها برواية "العطر" التي ترجمت إلى أكثر من عشرين لغة، وقد نال زوسكيند عام 1987 على جائزة "غوتنبرغ" لصالون الكتاب الفرانكوفوني.
 
العطر، قصة قاتل:
 صدرت رواية "العطر" بالعربية عن "المجمع الثقافي" في دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد قام بترجمتها الدكتور نبيل الحفار.
 
"العطر" بلغتها الروائية المتماسكة الجميلة، وأسلوبها السردي البعيد عن التلقين والفرض الممل، أكسبت الرواية متانة دون تعقيد، وحبست أنفاس المتلقي حتى آخر حرف فيها، بكل ما تضمنته من غرائبيات النفس البشرية وعالم العطور والروائح العجيب والزاخر والكثيف.
 
ومن الجدير بالذكر أن الرواية سوف تعرض على شاشات السينما قريباً، إذ حصل الممثل الأمريكي "Dustin Hoffman، داستن هوفمان" حقوق تصويرها، كذلك سوف يقوم بتمثيل دور العطار "بالديني"، وسيقوم بإخراج الفيلم المخرج الألماني الشهير "Tom Tykwer، توم تايكوير"، ومن سيقوم بدور غرونوي هو الممثل البريطاني الشاب"Ben Whishaw، بن ويشاو"
 
تتحدث الرواية عن "جان باتيست غرونوي" الذي وُلد عام 1738 في شارع "اوفيير" في أكثر أماكن المملكة بأسرها زحماً بالروائح الكريهة، المشبعة برائحة العرق، والبول والخشب المتفسخ، وروث الجرذان، أمام عربة سمك، كإبن غير شرعي، لأم اعتادت أن تقتل أبناءها أمام العربة ذاتها، الأمر الذي رفضه غرونوي بصراخه وبكائه بين قشور الأسماك، مما أدى إلى جز رقبة أمه بعد أن اكتشفتها السلطة واعترفت بجرائمها، ينتقل بعدها غرونوي إلى عدة مرضعات رفضن الاستمرار في إرضاعه لأنه "جشع، يرضع عن اثنين" الأمر الذي حدا بمرضعته الرابعة أن ترسله إلى الأب "تيرير" مبررة رفضها ارضاعه بـ "ابن الحرام هذا ليست له أية رائحة على الإطلاق!" الأمر الذي حمل الأب "تيرير" أن ينقل غرونوي إلى مدام "غايار" المرأة المسخ، التي تلقّت ضربة من والدها على أنفها فما عادت تشم شيئاً، احتملته عندها ست سنوات، أرسلته بعدها للعمل عند الدبّاغ "غريمال" للتخلص من عادته في إيجاد كل شيء وأي شيء تحاول إخفاءه عنه، إذ لم تكن تعلم أنها تحتضن في بيتها ملك الروائح الذي يحفظ بذاكرته وحاسّته آلاف الروائح، فيستدل على الأماكن لا بعينيه بل بأنفه الحساس الفريد.
 
غرونوي الذي اختزن في روحه آلاف الروائح وأسمائها، كان واثقاً من نفسه أنه سيعمل لدى أفضل عطار في باريس "بالديني" الذي أدركته الشيخوخة وقضت على حاسة الشم لديه، وكاد يُفلس لولا أن أنقذه غرونوي، بأن ابتكر له مئات العطور حتى راج سوقه واسمه في باريس مرة أخرى، ولم يسمح لغرونوي بمغادرته حتى احتفظ بطريقة صنع ستمائة نوع من العطور!
 
قرر غرونوي بعدها، أن يبتعد عن الناس، فاختار كهفاً عاش فيه سنوات سبع، كان قانعاً بهذه الحياة المليئة بالروائح التي سكنها وسكنته –خاصة رائحة فتاة كان قد شمّ رائحتها عن بعد مئات الأمتار عنه، وحين تبع رائحتها قرر أن يمتلك رائحتها فقام بقتلها، واستنشاق كل شبر من جسدها.
 
لقد أدرك غرونوي-ملك الروائح، أنه لا يمتلك رائحة خاصة به، وقد حلم أيضاً بحلم أرعد فرائصه، فحمله أن يعود إلى عالم البشر مرة أخرى، وهنا يقرر أن يمتلك أجمل رائحة في الكون لتكون رائحته، فعمل بجد كبير وبأجر زهيد لدى مدام "ارنولوفي"، التي تصنع العطور، فتعلم كيفية استخلاص العطور من النباتات والأزهار، مُتخيِّلاً استخلاص عطره الخاص من أجساد البشر!
 
وهكذا بدأت أجمل العذراوات بالاختفاء، يُقتلن بضربة على الرأس.. يُجّز الشعر، وتمزّق الملابس دون أن يُمسسن جسدياً، الأمر الذي خلق بلبلةً في البلد، ليكتشف أمر غرونوي بعد قتله الفتاة الخامسة والعشرين، وعند تنفيذ حكم إعدامه وَضَعَ قطرة واحدة من العطر الذي استخلصه من أجساد الفتيات المقتولات، وهنا حدث ما لم يكن بالحسبان، إذ أُصيب الحشد الذي أتى لمشاهدة إعدامه بحالة شبق جنسي، ولم يصدق أحد أن هذا الإنسان الذي يحمل هذه الرائحة الزكية المدهشة، من الممكن أن يكون هو القاتل، فأخلوا سبيله..!
 
عاد بعدها غرونوي إلى باريس، ليتمزق بعدها إلى ثلاثين قطعة، حدث هذا حين وضع قطرة واحدة من نفس العطر أمام مجموعة من الناس الذين تهافتوا عليه، كلٌ يريد جزءاً منه..!
 
جان باتيست غرونوي الممتد الذي لا يمكن تقليصه ببضع أسطر، أقول عنه كما قال خالقه باتريك زوسكيند: ((إذا كان اسمه اليوم قد طواه النسيان، على نقيض أسماء نوابغ أوغاد آخرين، مثل دوساد، سان جوست، فوشيه أو بونابرتو غيرهم، فذلك بالتأكيد ليس نتيجة ان غرنوي بمقارنته مع هؤلاء الرجال المريبين الأكثر شهرة، يقل عنهم تعاليا او احتقارا للبشر ولا اخلاقية، باختصار، كفراً، و إنما لان عبقريته و طموحه قد انحصرا في ميدان لا يخلف وراءه أثرا في التاريخ أي في ملكوت الروائح الزائل.))
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عروض ورؤى | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “عطر باتريك زوسكيند”

  1. حسك الادبى عالى وممتاز

  2. الإبداع العظيم سيظل مصدرا للقراءات الهامة ، وللنقاشات التي لا تنتهي ، وحسنا فعلت يا بسمة بالتقاط هذه الإشراقات من ” العطر” التي وصل أريجها إلينا

    يحيى القيسي

  3. الرواية جميلة لا شك وفكرتها مثيرة ومبتكرة لكن زوسكيند أدان البشرية جمعاء فلا بطل في الرواية سوى القرادة القاتل، البشرية لدى زوسكيند في العطر إما مذنبون يتسترون خلف أغطية وروائح مصنوعة بابتذال أو أغبياء كقارورة عطر رخيص مفتوحة للمتوحد غرنوي.
    غرنوي قتل 25 فتاة ليخلد روائحهن ويحظى بما حرمته منه الطبيعة لكن زوسكيند أدان الجميع واحتقر الإنسانية احتقر الرفيع والصناعي الماهر والقساوسة والمتنورين وقدس عالم الروائح الذي لا يترك خلفه أثر.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



"إن حياتي تتجسد حين أرويها وذاكرتي تتثبت بالكتابة، وما لا أصوغه في كلمات وأدونه على الورق سيمحوه الزمن."
إيزابيل الليندي، "باولا"