بسمة فتحي

شَغَفٌ وشَغَب...

الثلاثاء,شباط 05, 2008


وَعِيت ذاكرتي البصرية على بيتٍ مزيّنة جدرانه بلوحات زيتيّة، أغلبها صور طبيعية: جبال، أشجار سرو، وبيوت مزيّنة بالقرميد الخمري. كان لكل حائطٍ في بيتنا القديم حكاية يرويها عن  اللوحة المعلّقة عليه. فمثلا، (صَدر الدّار) مزدان بلوحة أمٍّ تحضن طفلها. تأمّلتْ أمي اللّوحة في بيت أصدقائنا. فما كان من الصّديق الكريم وامرأته إلا أن قدّما الأيقونة هديّةً لوالديّ بعد إخبراهما أنها تمثّل يسوع والسّيدة العذراء. وبذلك، صارت الأيقونة تحتلُّ –بحبٍ- (صدرَ الدّار).

تعلّقتُ منذ سنوات طويلة بلوحة "الطفل الباكي"، تغيّرتْ خلالها غرفتي، وتغيّر جميع أثاثها مرّات عدّة، وحدها اللوحة بَقِيَتْ مكانها، ولو لم أنقذها قبل عامين من حاوية القمامة لضاعت –بحجّة أن بقعاً من الدهان احتلّ جزءاً منها. لوحتي الزّيتية بحجمها الصغير؛ معلقةً فوق مكتبي، لذلك لم تَرها أمي حين أتت "آمال" تطالب بها!

 آمال بنتٌ ضعيفة العقل، كانت تسكن قريباً من بيتنا قبل ثلاث عشرة سنة، يدّعي أخوها الأكبر أن جِنّياً يسكن جسدها، ولن يخرج منه إلا بالعصا، لذلك كانت تهرب إلى بيتنا كلما استطاعت أن تغافل أمها وتسرق مفتاح البيت المُعلّق بخيطٍ أسود بعنقها. وفي إحدى مرّات زياراتها لنا، أعجبتْ بلوحةٍ صغيرةٍ معلّقةٍ فوق سريري، أخبرتني أنها تملك لوحةً أجمل بنفس الحجم، وطلبتْ مقايضتها.

 فرحتُ باللوحة الجديدة، إذ كنت قد رأيتها قبلاً على شاشة التلفزيون، نَمَتْ علاقتي معها سنةً بعد أخرى. لم أبحث يوماً عمّن رسمها، ربما لشهرتها ظننتُ أنها موجودةٌ منذ الأزل. ولم أعرف إلا بالصّدفة أن خلف اللوحة حكايات بل لعنات!

 قبل أيام، هربت آمال إلى بيتنا مجدداً –رغم بعد المسافة بين بيتهم الجديد وبيتنا، أخبرتْ أمي أنها أتت كي تستعيد اللوحة: "قبل 13سنة، أعطيت بسمة برواز لولد ببكي. بيكفي 13 سنة عندكم، رجعولي إياه!"

لم ترَ أمّي اللوحة رغم أنها معلّقة فوق مكتبي. فهي تصرُّ على أحقِّية آمال بها!
وفي محاولة جدّية بإقناع أمي بمدى تعلّقي باللوحة، أخبرتها بقصّتها:

 رسم الرسّام الإسباني "جيوفاني برغولين" لوحةً بعدّة إصدارات لطفلٍ يبكي. جميع اللوحات تحمل  الاسم نفسه: "الطفل الباكي" / "The Crying Boy. في هذه اللوحات لا يصرخ الطفل، وإنما تنسكب الدموع من عينيه الكبيرتين فوق خدّيه، ملابسه مُهترئة ومُتّسخة، ويضع حول عنقه شالاً خفيفاً لا يقي من البرد.

 حققت لوحة "الطفل الباكي" بإصداراتها المتعددة أعلى حصة سوقية من مبيعات اللوحات في العالم، وفي بريطانيا تحديداً. وبقي هذا حالها؛ حتى الرابع من سبتمبر من عام 1985، حين كتبتْ صحيفة “The Sunالبريطانية عن سلسلة حرائق كان القاسم المشترك بينها؛ أنّ النيران أتت على كل شيء مكان الحريق عدا لوحة "الطفل الباكي" التي لم تكن تُصَب بأي أذى.

خلال أشهر قليلة ورد إلى الصحيفة عشرات القصص قامت بنشرها تِباعاً عن حوادث مشابهة، حتى ظهر ما سُمّي وقتذاك بـ "لعنة الطفل الباكي"، إذ تقول الروايات، أن مَرسم "جيوفاني برغولين" قد احترق بعد أن أتم رسم اللوحات، والطّفل نفسه قد مات إثر حادث سير. وأن روحه يلبس جميع اللوحات، ولن يهدأ حتى يأتي بالحريق على كل مكان توجد فيه اللوحة، عدا من يملكها ولا يخاف من لعنتها..!

 الإعلام المُوجّه واللا منطقي في دولة علمانية مثل بريطانيا، كان سبباً في خلق أسطورة من لوحة، فهل فعل هذا لأن اللوحة حققت أعلى نسبة مبيعات على حساب ما يُعرض في السوق من لوحات؟ أم لأن الصحيفة نفسها حقّقت مرابح في مبيعاتها حين روّجت لمصادفات قصص الحرائق؟

 ألم يكن "الفـن" هنا ضحية الإعلام وخداعه؟؟؟



في06,شباط,2008  -  01:37 صباحاً, omar shaheen كتبها ...

بسمة اعدتي لي كل ذاكرتي في هذه اللوحة لان والدي كان يعلقها لسنوات طويلة داخل الصالون
ما اجمل الذكرى عندما تختزل سعادة مفقودة

في07,شباط,2008  -  05:47 مساءً, بسمة فتحي كتبها ...

الأستاذ عمر شاهين
تسعدني زيارتك لمدونتي.
كيف يمكن للوحة أن تساهم في تشكيل ذاكرة طفولة وأيام؟ لست أعرف لكن هذا ما تأكدت منه حين شعرت أن من الممكن أن أفقد لوحتي، وبعد كتابة هذا الموضوع عرفت أن للكثيرين حكايات وذكريات معها.
ترى هذا الطفل الباكي، كم من الحكايات سمع، وكم من الذكريات يحمل، وكم عدد البيوت التي نام فيها؟؟

في11,شباط,2008  -  06:49 مساءً, احمد يوسف كتبها ...

الصراحة ما بعرف شو قصة هاللوحة

لكن يبدو أنها كانت موجودة في معظم البيوت ايام زمان ،

عندما كنت صغيرا كان والدي يعلقها في غرفة الجلوس أيضا ، و كنت دائما أتساءل تُرى ما سبب بُكاء هذا الولد ،

كنت اعتقد أنه أضاع أمه ، لذلك هو يبكي ، و كنت أشفق عليه ،

و لكن الآن أعتقد أن أوضاعنا تُبكي أكثر من السبب الذي بكى هذا الطفل لأجله بلا شك ،

موضوع جميل

مع التحية

في12,شباط,2008  -  01:37 مساءً, مجهول كتبها ...

تحية
انا اسف اني اكتشتف مدونتك اليوم فقط
ومع ذلك انا سعيد بقراءة المدونة خاصة نصوصك القصصية...
تحية
محمد عمر

في15,شباط,2008  -  12:06 مساءً, بسمة فتحي كتبها ...

أحمد يوسف
كم تسعدني متابعتك لمدونتي، وقد قلتَ في مداخلتك -مشكوراً- ما عجزت عن قوله في موضوع كامل...!
اللوحة، منحتنا حيوات كثيرة، وأوقات كثيرة للتأمل، لتخيل سبب بكاء الطفل، ونسج الحكايا لدموعه. وهذا سبب تعلقي باللوحة، إذ أشعر أن هذا الطفل شاركني أفراحي، أحلامي، طموحي وووو
أشكرك جزييييييييل الشكر ودمت بكل الود والورد


محمد عمر
تحية صباحية طيبة عطرة
تشرفني زيارتك للمدونة، كما سيسعدني متابعتك لها
أشكرك جداً


في06,نيسان,2008  -  12:42 صباحاً, عبيدات كتبها ...

عزيزتي بسمة ....

ان مدونتك راقية ومفيدة ....

من دخلها لا يمكن الا ان يعود ......

دمت ... للابداع


"إن حياتي تتجسد حين أرويها وذاكرتي تتثبت بالكتابة، وما لا أصوغه في كلمات وأدونه على الورق سيمحوه الزمن."
إيزابيل الليندي، "باولا"