شَرشَف أبيض!
كتبهابسمة فتحي ، في 29 أغسطس 2006 الساعة: 05:31 ص
الإهداء: لروحك الطاهرة في عليائها سرحان الغول
أمقت زيارة المشافي، ربما لا أكرهها هي بذاتها ولا برائحة معقماتها النفاذة التي تحفِّز صدري للسعال، ولا لصورتي المنعكسة عن رخام أرضياتها المصقولة جيداً والتي تؤكد لي إحساسي بأن خطأ ما هناك في وجهي، لم أجده بعد..! ولا أكرهها لأجل وجباتها كثيرة العلب، معتدلة السخونة، قليلة الملح، والتي تذكرني بالمَثَل الذي تردده أمي حين تتذوق (طبيخ دِلِعْ) :"سيدة البيت البخيلة، أكلها –دائماً- ينقصه الملح"، ولا لأنني بعد إحدى الزيارات رمى بِيَ "بَخْتي" لمساعدة فتاة سمراء تتلألأ في وجهها عينان سوداوان واسعتان، الكُحل فيهما بذخٌ زائد.
"عيناكِ جميلتان": هذا ما قلت لها حين أغمضتُ يدي على بعض المال ودسسته في كفها المتشقق برداً، مسكينة، البرد يقصُّ المِسمار في ذلك الوقت من السنة، انفرجت عيناها أكثر حال ملامسة يدها لورقة النقود وأخذ فمها يقذف كلمات عن المستقبل مصفوفة بعضها خلف بعض بسرعة رهيبة، اللئيمة، تحفظها بمهارةٍ عن ظهر قلب!! وهذا يعني أنها تتبصّر المستقبل لا محتاجة، وأن يدها ليست متشققة برداً بسبب الحاجة، بل لأن ظروف عملها –التّبصير- ليس موافقاً لقوانين العمل الذي حددته وزارة العمل والعمّال! فررتُ منها لأقع بين أنياب أمها التي لحقت بي، فكنتُ كمن هرب من بين يديّ قبّاض الأرواح ليقع بين فكيّ عزرائيل، أو كالمتضايق من رذاذ المطر فلم يجد مكاناً يجلس فيه سوى تحت دلفِ المِزراب! المشكلة أن الأم التي لا أذكر من شكلها الآن إلا الوشم الذي يخضّر جبينها بشكل غير قابل للنسيان، لم تكشف لي عن مستقبل أيامي، بل قذفت في وجهي الكلمات ذاتها التي أحْفَظَتها لابنتها، وفوق ذلك كشفت لي عن امتداد سذاجتي حين أخذتْ راتبي الذي لم أمسُّ منه إلا بعض الدنانير، فأطلقتُ العنان لساقي مبتعدةً عنها ..مرتجفة.. خائفة منها، لا بل من الجِنّيْ رفيقها، الذي تسلل لكفي الأيمن وأرسل الخيط فيه بعد أن ضممته عليه معقوداً عدة عقد..!!
كيف تسلل الجنيُّ إلى كفي وقد صلّيتُ على النبي –كما طلب مني- سبع مراتٍ.. لا أعرف بالضبط فلا يسألني أحد..!!
لم أكره المشافي لكل ذلك، بل كرهتها بعد ذلك كله..!!
***
حتى سني المشقوق طرفه والذي أحرص على إخفائه ما استطعتُ إلى ذلك طريقاً، ظهر حين ابتسمت مُغالِبة اللهاث جراء صعودي للطابق الرابع. صافحتُ عدنان بحميمية ظاهرة وجلستُ بعدها على السرير الشاغر الذي يقع على يسار سريره، كان مبتسماً نشيطاً، بل عظيماً يكابرُ ما به، أدركت مدى ذلك حين أرسل لي قبل زيارتي له بيوم واحد رسالة قصيرة عبر هاتفي النقال يقول فيها:"حين تشعرين بالألم من مشكلة عظيمة، لا ترفعي يديك إلى الله وتقولي له، يا إلهي عندي مشكلة عظيمة، بل قولي.. هاه مشكلة، عندي إله عظيم..!!"
وما أن هدأت أنفاسي جراء صعودي الدرج الذي خلته لن ينتهي، كنت قد شربت علبة العصير التي قدّمها إليّ، دون تردد، وبعد الاطمئنان عن وضعه الصحي، شرعنا في الحديث عن رواية "العِطر"، وقاتِلها البريء الشذي "غرونوي"، واتفقنا أننا سوف نتحدث عنها مطولاً ونناقشها مع صديقتنا المشتركة بعد خروجه من المستشفى، وبعد ذلك تصفحتُ الكتابَ الذي كان يقرأه:
- أخي عدنان، هذا بالإنجليزية.. وأنا إمكانياتي الإنجليزية "رغيف وبيضة… إذا ما كان الرغيف لحاله"
- هاهاها
تمنّيت لو أن لي مقدرته على الأقل في قراءة الروائع بلغتها الأصلية، لا قراءة ترجمة "عبيطة" عن ترجمة "أعبط" في الغالب..
وبحركة لا إرادية بحثتُ عن مصدر السعال الذي تجلجل فجأة عن الجهة المقابلة لسريره ومكان جلوسي، لكني تجمدت من مشهد آخر، تكتوي نفسي إن رأيته على شاشة التلفاز!
ويلي…لن أتحدث بهذا مع عدنان..!!
أسميته "محمد"، طويل القامة أو على الأقل ذلك ما كان يبدو عليه، أسمر الوجه، ومدخناً من الطراز الأول، ملفوفاً بقماطة بيضاء تشبه القماطة التي قمَّطته بها أمه قبل أربعين سنة يوم مولده، سوى أن رأسه الآن قُمِّط أيضاً، وكأن النهايات تتوق لتفاصيل بداياتها فكانت قماطة الرضيع ذاتها سوى أن قماط الرأس أُضيف، لتصبح كفناً..!!
هدأتُ لحظات، كهدوء موته، والتقت نظراتي بنظرات عدنان وزوجته الطيبة البشوشة التي كانت قد وصلت في موعدها اليومي منذ دخوله المشفى، لم أنبس ببنت شفه حول "محمد" وتفاصيل موته، وهما كذلك، إلا إن التفاصيل بدأت تتسرب إليّ من عيني عدنان دون صوته، أخبرتني أنه يعمل محاسباً لدى شركة بسيطة، ويصارع قدره المحتوم منذ أشهر بالمشفى، وأن له روحاً مرحة، وتبرَّم لي بأن مَن سيهرّب إليهم السجائر التي مُنعوا عنها بالجُملة والتي يحصل عليها هو من "سِوار" التي تدرك الحقيقة كاملةً..؟!
مساكين نحن أم حمقى؟ حتى إن أردنا البكاء نحتاج إلى مسوّغ!
وهل هناك مسوغ آمِن لا يثير الشكوك أكثر من الضحك؟! بدأت التحرش بالضحك.. الضحك قهقهةً حتى الوقوع في البكاء! الأطفال، نبع الضحك الصافي المُقَهْقِه.. لذلك تحرشت بما فعله طفل أختي المشاغب لأضحك ونضحك جميعاً.. ضحكنا وقهقهتُ حتى بكيتُ !
اضحك أكثر تبكي بخوف أقل من الأعين الفضولية!!
الأطباء الحمقى.. كيف يتركونه هكذا بين المرضى ملفوفاً بقماطته، نذير شؤم يومهم التعس؟! كيف يتحول المريض من إنسان يُرجى شفاؤه إلى نذير شؤم بلحظات، وجناح عزرائيل المرفرف في المكان..!!
أجابتني عينا عدنان مجدداً ، أنها لا تمتلك إجابات عن تساؤلاتي الطازجة جداً والمطروقة سابقاً منذ آلاف السنين، قهقه عدنان عالياً ليجد هو الآخر مسوغاً لبكاءٍ مملحٍ بالضحك…
يا إلهي .. عليّ أن أغادر سريعاً قبل أن تأتي "سِوار".. زوجته المسكينة ممسكة بيد أمه العجوز وكأنها عصاها التي ترتكز عليها متجنِّبة بها ما استطاعت خذلان ساقيها، وقبل بدء بكاء النواح، بمسوغ الموت.. ستبكي "سِوار" على صدره، وربما أمه تشق جيب ثوبها.. على عامود البيت وسنده الذي تهاوى قبل أوانه، وبعد ذلك تحمل "سوار" بيدها حذاءه الرياضي الموجود تحت السرير، وتطمئنه أنه لن يهينه استخداماً بعد ذلك…
حملتُ حقيبتي سلمت على عدنان وزوجته البشوشة، شرعت بالمغادرة، هرباً من لقاء "سِوار" وأمه.. لولا أن استوقفني زعيق الهاتف الموصول جانب سريره.. يا إلهي .. "سوار" تريد أن تخبره أنها اضطرت للتأخر.. تجمدتُ مكاني لحظة، نظرتُ إلى عدنان الذي أخبرتني عيناه أنني لا أملك شيئاً لأفعله، لقد حلّق.. حلّق بعيداً..كنت سوف أصيح بصوت بُحّ بكاءً …أقصد ضحكاً:
- "سوار"، أرجوكِ… صعد سلالم السماء وغادر إلى الله.. اتركيه بسلام.. اتركوه .. اتركوه ..
لولا أنه تمطّى في فراشه فجأة وأشاح الشرشف الأبيض عن رأسه وفمه المتثائِب وبيدٍ دافئة أمسك سماعة الهاتف:
- ألو، سِوار لماذا تأخرتِ أنتظرك منذ ساعة..!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : شَرشَف أبيض | السمات:شَرشَف أبيض
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أغسطس 29th, 2006 at 29 أغسطس 2006 3:55 م
أعجــبـتـنــي كثــيــرا طريقة الصياغة - وكـأن الكاتب هنا يصوغ سبـيـكة مـن الذهــب ()()() وليــس مقـــالاً فحسب - تـحـيـاتـي وتـمنـيـاتــي ودعـــواتــي للمــواصـلـة يا ((((( بســـــمــة ))))) ، وأنا هنا أوجه اليــــكِ دعـــوةً لزيارة مدونتي المتواضعة كي تزينيها بتعليق جميل من هــذا القـــلم الســـاحــر ***** الشاعر العراقي أحمد علي العـــزامــي ((( فـــلـــوجـــة )))
أغسطس 30th, 2006 at 30 أغسطس 2006 2:22 ص
برغم الوقت المتاخر لم أستطع منع نفسي من القراءه للنهايه لسببين الاول لأنني في أجازه والثاني لأن القصه والاسلوب أجبرني على ذلك والآن سأذهب لتصفح باقي مدونتك . تحياتي إليك أختي .
أغسطس 30th, 2006 at 30 أغسطس 2006 8:57 ص
الى الامام يا بسمة
ديسمبر 10th, 2006 at 10 ديسمبر 2006 6:10 ص
بسمة فتحي : أسعدتني زيارتك مدونتي و أشكر لك مشاعرك الصادقة الطيبة . تجولت في مدونتك الرائعة و أدركت أنني أمام مبدعة أبحث عن مثلها في هذا الفضاء الألكتروني العجيب الذي يحوي كل شيئ و لا أقول أكثر . لست بحاجة الى شهادتي فأنت مبدعة حقيقية تتجولين في حدائق الشعر و حارات القصة القصيرة . و تطلين على الأدب العالمي ، هل قرأت ( العطر ) لزوسكيند ! يا لك من رائعة . سأحرص على متابعة مدونتك و أعرف أن كل قطعة فيها تستحق وقفة و تعليقا ، لكن ما أقوله هنا ليس سوى تحية كبيرة لكل ما قرأته في هذه المدونة التي تستحق كل التقدير . آمل استمرار التواصل و ياليتك تزوديني ببعض كتاباتك لنشرها في ( أقلام جديدة ) التي ستصدر أولى أعدادها مطلع العام الجديد .الى لقاء مع المودة . عزمي
ديسمبر 10th, 2006 at 10 ديسمبر 2006 4:30 م
الأستاذ عزمي خميس
كم أسعدني زيارتك لمدونتي، وكم أشعر بالامتنان لك، والفخر بشهادتك لما أكتب
أشكرك من كل قلبي، وبالطبع قرأت رواية العطر، لزوسكيند وأنتظر ترجمة كتابه الجديد “عن الحب والموت”. وسبق وكتبت عن العطر عرضاً أن تمنى أن يروق لك
http://basmafathi.maktoobblog.com/?post=76995
وبكل تأكيد يشرفني إرسال نص للمجلة الجديدة، عبر بريديك الإلكتروني
دمتَ بكل هذا الألق والجمال.
بسمة فتحي