الجبّارة الصغيرة

تشرين الثاني 1st, 2006 كتبها بسمة فتحي نشر في , شَرشَف أبيض

الإهداء: بالطبع، إليكِ (سندس) حيث أنتِ..
 
 (1)
كنتُ أبرر عجزي عن الكتابة، إنني أنتظر نهاية حتمية، لا التباس فيها..
وكنتُ أكتفي بممارسة الألم، وتأمله، واختزانه، لاختزاله في قصة قصيرة، أقوم بضمّها إلى أوراقي الكثيرة المبعثرة، لتعليبها في دولابي الأمين، وعدم السماح لأحد أن يعبث بها، خوفاً من الأعين البراقة، الفضولية، والألسن المتشعِّبة، المتعطِّشة لخبر جديد، وكذلك كي أطمئن نفسي أنني نسيتها، ببشرتها النّديّة الطرية كعجين الصباح المُختمر، وأصابعها الطويلة الرفيعة ذات الأظافر اللؤلؤية، وعينيها الصغيرتين وأنفها الذي كأنه رُسم بفرجار هندسةٍ لا يُخطئ الزاوية أبداً، وصوتها الناعم الحنون الذي نادراً ما سمعته..!
(2)
لم يكن يلفتني إليها سوى تكوُّر بطن أمها، وانتفاخه شهراً بعد شهر بها، لم أكن أتصور أن تلك الكرة المحشوّة هناك، سوف تغدو هاجسي الأوحد، والمنافس الحقيقي لظلي على دوام رفقتي، وبوصلتي التي لا تمتلك غير عقرب يتيم لا يعرف الإشارة إلا حيث اتجاه الحزن الممزوج بالشفقة والتساؤلات المُلِحَّة دون مجيبٍ مقنعٍ، لم أعد أقتنع بالمبررات القائمة على (النصيب)، (هكذا شاء الله)، (التحاليل الطبية تقول)، و(صور الأشعة تُشير إلى أنّ)، نعم لم أعد أقتنع أبدا..
 
(3)
مؤكد أن الأطفال (ملائكة) وأنا أقسم بعكس ذلك، أنهم (جبابِرة)، خاصة إن سكنهم العِند، وقرروا –صائبين- عدم الاستمرار في سيرك الحياة باذخ التناقض، و مغادرته سريعاً، مخلفين وراءهم تراكمات من الأفكار، والعِبَر، والذكرى والكثير الكثير من الصمت الباكي. لذلك، أكاد أقسم أيضاً إن (جبارتي) الصغيرة لم تصرخ، ولم تسقط دمعة واحدة من عينيها -اللتين بلون كَرز أيار الأخضر، حين ارتطمتْ أول نسمة من نسمات الأرض، برئتيها الصغيرتين، لا لشيء سوى أنها قررتْ أن لا تلوثهما طويلاً به..
 
(4)
في الليلة التي حلَّقتْ روحها حيث خالقها، قمنا –أمها وعمتها الكبرى وأنا - بزيارتها ف

المزيد


انتظار

تشرين الأول 19th, 2006 كتبها بسمة فتحي نشر في , شَرشَف أبيض

برغم شعورها أن ثقب ذاكرتها قد اتّسع في الأيام الأخيرة حتى بدأ يسقط منه بسهولة ودون اعتراض من أحد أو شيء، تواريخ الأيام وأسماؤها، وبدأت تنشف الكلمات التي كانت على رأس لسانها فجأة أثناء حديثها مع الآخرين فتسعفها من الحرج كركرة ضحكتها وإصبعها الذي يتسلل نحو فروة رأسها ويحكّها حتى تُمرِّر خصلات شعرها كلماتٍ أخرى تفي بالغرض، غير أنها لم تكن تخاف حدوث أي شيء من هذا وقتها، لأنه لا يمكنها نسيان أية خطوة مَشَياها معاً وأية كلمة قالاها … كانت في طريقها إلى المكان نفسه الذي جمعهما مرة، وآخر ما كانت تتمناه أن يكون سائق التاكسي الذي أوصلها من مُصدَّري الكلام ومُوزِّعيه.. أخبرها أنها تركب معه للمرة الثالثة وأن له ذاكرة "بنت الـ 14"، وليقنعها بذلك أخبرها بأي منطقة يقع منزلها، وأقسم عليها أن تقول الحقيقة إن كانت تسكن هناك، فعلتْ بابتسامةٍ موافِقةً إياه ورفعتْ فوق القَسَمِ قَسَماً آخر تقنعه أنها لا تتذكر إنها ركبت معه!
أنقذها الله بعد عشرة دقائق مريعة حين أوصلها صاحب الفم الكبير ولم يخطر ببالها أن تسأله سبب لَطْشِه عشرة قروش زيادة عما قاله مؤشّر العدّاد، إلى ذلك المجمّع التجاري.
انفتح الباب أمامها وحده وكأنه يؤدي لها تحية الترحيب فأحنَتْ رأسها الصغير شاكرةً ممتنةً، وكان أول ما رأت واجهة السكاكر والشوكولا بألوانها اللامعة وأحجامها وأشكالها المختلفة ونكهاتها المتعددة…مرّت بجانبها سريعاً معارِضةً رغبتها بملأ حقيبة يدها وجيوب تنورتها "بشوكولا اللّوز" المفضل لها… نعم، مرّت بجانبها سريعاً محاوِلةً إخفاء ابتسامتها متذكِّرةً إنها حين كانت معه كادتْ أن تضع كفّها بكفّه وأن تشد بكفها الآخر ذراعه وتهمس له:
-                   "احضر لي .. أريد من هذه.. وهذه.."
غير أنها تراجعتْ ففكرة تناولها الشوكولا وهو ينظر إليها لم تكن بالمقبولة لديها أبداً.. كم كانت تتمنى لو أنه لا يمقت الحلويات والشوكولا إلى هذا الحد .. على الأقل "شوكولا اللّوز" !
 
وضعتْ قدمها على أولى درجات السّلم المتحرك، كان طيفه حاضراً، تسرّب إليها دفء يده وطول قامته وبهاء حضوره، كانا واقفين على ذات الدرجة، السلم يصعد بهما للأعلى وروحها ترفرف حاملةً طوق قرنفل وياسمين فوق رأسيهما مع ملائكة المحبة والجمال، كانت لا تزال تشعر بحنان يده وهي جالسة إلى الطاولة نفسها التي جلسا إليها وكأنها تنتظرهما.. احتست القهوة مع طيفه حتى كأنها سمعته يُعيد عليها بصوته الرخيم الواثق:
-                   اشتقتُ إليكِ كثيراً جنّيتي الصغيرة…
 
 لم تكن قلقة على الموعد الذي ضربته مع الرسّام

المزيد


سندويش كوكتيل وعلبة بطاطا

تشرين الأول 2nd, 2006 كتبها بسمة فتحي نشر في , شَرشَف أبيض

كانت تحمل أحلامها بقصاصة إعلان في صحيفة!
كان ذلك حين حمل لها والدها الصحيفة بحُنوٍ مبالغ فيه وكأنها طفلة جميلة في قماطة:
-                         اذهبي للجامعة غداً، الإعلان يقول أن حملة شهادة الدبلوم يستطيعون إكمال الدراسة..
لم تسمع باقي حديث والدها، أو ربما سمعته لكن انتقال الطفلة/الجريدة إليها شتت فكرها، وجعلها مشغولة بترتيب النجاحات التي سوف تجنيها حين تكمل الدراسة..
       زيادة في الراتب الشهري..
       الصعود درجة في السلم الوظيفي ..
       لن تخجل بعد الآن من كونها لا تحمل شهادة جامعية…
       أخيراً سوف يخرس ذلك النشاز الذي قال لها في يوم ما:         
         ((خبرتك العملية جيدة، ولكن لو معك شقفة
            هالبكالريوس))
 
لم تَنَم ليلتها وهي تعيد ترتيب ما يجب أن تكون عليه أيامها القادمة… ((مممم!! عليّ أن أدرس جيداً، وسوف أحاول ترتيب جدول الدراسة بشكل لا يتعارض مع وقت عملي كي لا أقع بين فكيّ استرحام مدير عملي ومزاجيته.. وأن أقتصد في مصروفي الشخصي كي أستطيع تسديد القسط الجامعي أولاً بأول والحيلولة دون حرماني من شراء كتب المطالعة.. ولا بأس ببعض النشاطات الجامعية، سوف أساهم بمجلة الجامعة الأدبية ولا أتوقع أن يرفضوا مساهماتي، قد بات قلمي ناضجاً بما يكفي لسد باب رفضها، بالطبع دون أن تؤثر هذه النشاطات سلباً على دراستي، شيء مهم آخر هو أنني لا أريد إخبار أي إنسان عدا عائلتي أنني أكمل دراستي أريد مفاجأة الدنيا وأنا مرتدية روب التخرج وطربوشه ويدي ملوّحة بالشهادة، سوف يكون ذلك خبر الموسم وقتها..))
***
 
برغم ندرة دقائق نومها بالليلة السابقة كان وجهها يشعُّ بنور الأمل في الصباح. ارتدت بنطالَ جينز كحلي اللون، وبلوزة سماوية طويلة واسعة، وانتعلت حذاء رياضة، كي لا تتعب من كثرة المشي بين الأقسام الجامعية، كما حملت حقيبتها متأكدة من وجود دفترها، وعلبة الأقلام.. ربما يحتاج الوضع تدوين الأوراق اللازمة لإتمام عملية التسجيل…
***
 
وصلت الجامعة، وحين أرادت الدخول، أظهرت طفلتها/الجريدة وبطاقتها الشخصية لحارس الأمن، الذي أبدى بشاشةً جمّة، وكذلك دخلت الجامعة بقدمها اليمنى كي تتأكد من حسن طالع وبركة يومها، الذي طالما تمنته حتى ظنت أنه من المستحيلات!
 
سألت ثلاث فتيات عن مبنى التسجيل، مشت ثلث ساعة تقريباً بين مباني الجامعة مرتاحة النفس، مالئةً صدرها برائحة الأمل.. الجامعة جميلة، عمر أشجار الصنوبر فيها بعمرها..ليس هناك أجمل من رائحته ناضجاً بأشعة الشمس، ولا أرق من صوت العصافير التي ما وجدت أمان العُلا إلا في حرم أش

المزيد


براءة رقص

أيلول 11th, 2006 كتبها بسمة فتحي نشر في , شَرشَف أبيض

 
ليتني إحدى تلك الخِراف..!
حقلٌ بلّوري أزرق هي السماء اليوم، تتبختر فيها بدلالٍ غيومٌ تلبسُ هيئةَ خِراف سمينة ناصعة البياض، تمشي الهُوينا جرّاء مُسايرةِ الهواء الرقيق لها..
-   لي رغبة بالرقص في وسط الشارع..!
-   
-   هاهاها.. ليس عيباً، أن أطلق يديّ للفضاء، وألفُّ ألفُّ حول ذاتي على رؤوس أصابعي، وحول كل الأطفال الذاهبين للمدرسة..سأسرق طوق شعر تلك الفتاة.. غبيةٌ أمها.. لماذا منعت الهواء من إعادة تسريح شعرها كما يريد هو ويشتهي؟!.. وأباغت ذلك الطفل وآخذ سندويش الزعتر منه وأوهمه أنني أستطيع التهامها بقضمة واحدة، وأنتشل ذلك الصبي وأخت

المزيد


أقاصيص

أيلول 7th, 2006 كتبها بسمة فتحي نشر في , شَرشَف أبيض

(همهمة بريئة)
طبولُ حربٍ تضرب قلبها، رفعت عينيها سنتيمتراً واحداً أو اثنين بلا مبالاة مُقنِعة للأعلى صوب الواقِف حيث الباب، وقالت بصوتٍ باردٍ:
- كم أكرهك… ما الذي أعادك!؟

ارتدى وجهه الشحوب، تربَّع الخوف في عينيه.. تشنّجت أصابع يده أثناء محاولة تصديق ما تقول، وبما كان عليه أن يُبرِّر.. بينما حاول عاموده الفقاري الانتصاب مدافعاً عن نفسه شارحاً أسباب الغياب، لكن سرعان ما أَعْلى راية إخفاقه، وأجهض أمله وحاجته بزرع رأسه في حضنها والبكاء، حين أكملت…
- عد من حيث أتيت…
مثقلة خطواته بـ (عد من حيث أتيت…)، وما زال رأسه يلفُّ ويلفّ، أثناء بكائه صحراء حضنها.
.
..

عجباً
كيف لم يفهم أن ما قالته كان فقط همهمةً بريئةً، صادرةً عن عَطْشى وَجَدتْ –أخيراً- عَين الماء..!!؟
 
(إنْترفيو)
أكبر من حقيبة يد أنثوية عادية كانت تحمل على كتفها، وضعتها على الأرض، ضمّت ساقيها المرتجفتين، واحتضنت يديها في حجرها بعد أن أعادت خصلة من شعرها وراء أذنها اليمنى، حين كان ينظر إليها من أسفل نظارته تارة، ومن فوقها تارة أخرى، أخرج كتاباً من درج مكتبه الأول، وقال لها اقرئي بصوت عالٍ وإياكِ والتَّسكين..!
رَمَشتْ مرتين .. تلعثمتْ.. بلعتْ ريقها.. مُرّاً كان ، تذكرتْ إعلان التوظيف: “مطلوب سكرتيرة تجيد استخدام الكمبيوتر” .. تناولت الكتاب، فتحت الصفحة المطلوبة، قرأت..تلعثمتْ.. نَهرَها أول مرة.. الثانية.. الثالثة شَخَطَ في وجهها.. تراقصتْ دمعةٌ في محجري عينيها، مدّت يدها إلى حقيبتها، أخرجت كتاباً أصغر من الذي أعطاها إياه.. قدمته له.. حدّق في الكتاب واسم كاتبته أول مرة.. الثانية في ورقة طلب التوظيف.. الثالثة فيها.. وقال لها:
- هي، أنتِ؟!
(أمومة)
دخلتْ مكتبنا متشنّجةً غيظاً، واضعةً يدها على رأس بطنها المنتفخِ بالصراخ المؤجَّل والمملوء بالمُستهلِك اللاحق لفوط البامبرز:
- كاد أن يُجنّني..! إن صاح أصيح بابنتي اتركيه.. أنا سأحمله، وإن لم تذعن لأوامري أصيح بصوتٍ أعلى .. احمليه برفق.. إياكِ أن يقع من بين يديك، لم نفرح بقدومه بعد! .. وإن جاع أركض لأجله، حتى يبقى بكامل نشاطه، وويلي إن غاب عن عيني أموت رعباً .. خشيتُ من أولادي عليه.. لم نفرح بقدومه بعد.. والله ما فَرِحنا!
دار رأسي، واستقرّتْ عيناي على بطنها المدوّرة بشهرها الثامن:
- يا امرأة لم تلدي بعد.. متى حدث كل هذا؟! عمن تتحدثين؟!”
نظرت إليّ وصاحت صياح أمٍ مكلومة:
- بالأمس .. بِعتُ موبايلي.. جنّني .. والله ما فرحنا به بعد..!
(تطفٌّل؟)
حمقاء بلا شك، بأنفاسها التي كانت تتسابق مع عجلات السيارة البيضاء المجنونة خلفها والتي لم تكن تَنْوي على خيرٍ مطلقاً، ويديها اللتين كشرطي مرور في ساعة الظهيرة تحذرانه قط المزابل ذلك بشعره المتسخ وذيله المرفوع كالألف، والذي خاف من خوفها عليه ومن تحذيراتها ليركض إلى أحضان العجلات المجنونة غير عابئٍ بلون دمه الذي سيملأ يومها بالبكاء عليه وبشعور التَّطفُّل!
(جودي أبوت)
مرّت السنون سريعة، بعيدة ذكرى جلوسها فاغرةً فاهها محدقةً بشاشة التلفاز وهي تشاهد “جودي أبوت” كانت تصدمها الفكرة: ” أشبهها..؟ تشبهني؟ لا .. لا، فهي لا تلبس نظارة وإن كان مرح ال

المزيد


شَرشَف أبيض!

أغسطس 29th, 2006 كتبها بسمة فتحي نشر في , شَرشَف أبيض

الإهداء: لروحك الطاهرة في عليائها سرحان الغول
 
أمقت زيارة المشافي، ربما لا أكرهها هي بذاتها ولا برائحة معقماتها النفاذة التي تحفِّز صدري للسعال، ولا لصورتي المنعكسة عن رخام أرضياتها المصقولة جيداً والتي تؤكد لي إحساسي بأن خطأ ما هناك في وجهي، لم أجده بعد..! ولا أكرهها لأجل وجباتها كثيرة العلب، معتدلة السخونة، قليلة الملح، والتي تذكرني بالمَثَل الذي تردده أمي حين تتذوق (طبيخ دِلِعْ) :"سيدة البيت البخيلة، أكلها –دائماً- ينقصه الملح"، ولا لأنني بعد إحدى الزيارات رمى بِيَ "بَخْتي" لمساعدة فتاة سمراء تتلألأ في وجهها عينان سوداوان واسعتان، الكُحل فيهما بذخٌ زائد.
 
"عيناكِ جميلتان": هذا ما قلت لها حين أغمضتُ يدي على بعض المال ودسسته في كفها المتشقق برداً، مسكينة، البرد يقصُّ المِسمار في ذلك الوقت من السنة، انفرجت عيناها أكثر حال ملامسة يدها لورقة النقود وأخذ فمها يقذف كلمات عن المستقبل مصفوفة بعضها خلف بعض بسرعة رهيبة، اللئيمة، تحفظها بمهارةٍ عن ظهر قلب!! وهذا يعني أنها تتبصّر المستقبل لا محتاجة، وأن يدها ليست متشققة برداً بسبب الحاجة، بل لأن ظروف عملها –التّبصير- ليس موافقاً لقوانين العمل الذي حددته وزارة العمل والعمّال! فررتُ منها لأقع بين أنياب أمها التي لحقت بي، فكنتُ كمن هرب من بين يديّ قبّاض الأرواح ليقع بين فكيّ عزرائيل، أو كالمتضايق من رذاذ المطر فلم يجد مكاناً يجلس فيه سوى تحت دلفِ المِزراب! المشكلة أن الأم التي لا أذكر من شكلها الآن إلا الوشم الذي يخضّر جبينها بشكل غير قابل للنسيان، لم تكشف لي عن مستقبل أيامي، بل قذفت في وجهي الكلمات ذاتها التي أحْفَظَتها لابنتها، وفوق ذلك كشفت لي عن امتداد سذاجتي حين أخذتْ راتبي الذي لم أمسُّ منه إلا بعض الدنانير، فأطلقتُ العنان لساقي مبتعدةً عنها ..مرتجفة.. خائفة منها، لا بل من الجِنّيْ رفيقها، الذي تسلل لكفي الأيمن وأرسل الخيط فيه بعد أن ضممته عليه معقوداً عدة عقد..!!
كيف تسلل الجنيُّ إلى كفي وقد صلّيتُ على النبي –كما طلب مني- سبع مراتٍ.. لا أعرف بالضبط فلا يسألني أحد..!!
 
لم أكره المشافي لكل ذلك، بل كرهتها بعد ذلك كله..!!
***
 
    حتى سني المشقوق طرفه والذي أحرص على إخفائه ما استطعتُ إلى ذلك طريقاً، ظهر حين ابتسمت مُغالِبة اللهاث جراء صعودي للطابق الرابع. صافحتُ عدنان بحميمية ظاهرة وجلست

المزيد


ياسين

أغسطس 19th, 2006 كتبها بسمة فتحي نشر في , شَرشَف أبيض

 

 

كان يحاول بكل ما يمتلك من أساليب المحافظة على وضعه، والحيلولة دون انجرافه السريع للأسوأ، كانت آخر أبحاث وتجارب الإيقاف تلك، تكديس المعاجم اللغوية والبحث عن معنى اسمه.. ظنّاً منه أن لكل إنسان نصيباً من اسمه.. فربما كان كان اسمه حجر النحس الأول الذي رُمي به حال سقوطه من رحم أمه إلى ضجيج الأرض.

 ("ياسين".. "ياسين".. "ياسين") لم يجد له معنىً محدداً، وفي أفضل المعاجم وُضع اسمه وخلفه تقبع نقطتان مشيرتان إلى أن "ياسين" هو: "اسمٌ لذكر".

غادر المكتبة، وترك أكداس المعاجم على الطاولة، متجاهلاً اللوحة الكرتونية المكتوبة بخطٍ أسود رديء "الرجاء عدم ترك الكتب على الطاولة، وإعادتها على رفوفها المخصصة والمُعتمدة على التصنيف"، وصاح: "اسم ذكر..؟! هذا فقط.. وهل أتوا بشيء جديد؟ حتى هنا "ياسين" حظك مُقْتِر؟ ضاقت اللغة على أن تحتفظ لك في أحد جيوبها معنى لاسمك..؟!!"

-وطبعاً كان صياحه في سرِّه فهو لم يعد بوسعه الصراخ خارج صدره منذ زمنٍ طويلٍ لا يستطيع هو تحديده كما الجميع-

***

ذهب إلى الكشك  الذي يزوّده بالكتب عندما يتوفر بجيبه بضعة دنانير، كان يغبط صاحب الكشك أنه يرتع بين أرتال الحكمة والروعة التي تفيض منها كتب كشكه. ولكنه كان ينزعج من كثرة الزّحام هناك، لا من أجل الاطلاع على الكتب وشرائها بل لأن الكشك يقع بشكلٍ شبه ملاصقٍ لأحد المطاعم التي تقدم وجبتها الأساسية "المنسف"، فيتساءل عن العلاقة التي تجمع بين الطرفين..! وما يثير غثيانه أكثر، اضطرار صاحب الكشك عرض الكتب الجنسية في واجهة كشكه، وكأنها الكتب الأكثر طلباً ورواجاً وتصفُّحاً، بينما يحتفظ بالكنوز الحقيقية في الداخل، لقِلّة الباحثين عنها..!!

بعد أن فشل بإيجاد رواية "الحلاج يصلب من جديد" سار بخطى معتدلة في منطقة (وسط البلد) بشكل أتوماتيكي مُبرمَجٍ فقد حفظ شوارعها عن ظهر قلب على مدى سبع وعشرين سنة، الناظِر له يدرك أن هذا الرجل يسير دون وجهةٍ حقيقية، بسبب رأسه المدوّر والذي يشبه الكُرة لولا نتوء نظارته التي تنقذ الوضع وتضيف سنواتٍ أخرى لعمره، وكذلك رقبته المرنة التي جعلت من رأسه أشبه بطائر البومة التي تستطيع أن تلفّ رقبتها دورة كاملة حتى لا تَفْلت منها حركة واحدة بأي اتجاه!

  كان يعشق تأمل وجوه الن


المزيد





"إن حياتي تتجسد حين أرويها وذاكرتي تتثبت بالكتابة، وما لا أصوغه في كلمات وأدونه على الورق سيمحوه الزمن."
إيزابيل الليندي، "باولا"