أخلاقيات سرقة الكتب

أيلول 22nd, 2008 كتبها بسمة فتحي نشر في , عروض ورؤى

لكل قارئ حكايته الخاصة مع الكتب، وطريقته في اقتنائها. لا زلت أذكر أول كتاب اقتنيته، كنت دون الخامسة، حيث ذهبت صدفةً مع أبي إلى معرض الكتاب، تصفّحت قصّة الخراف والذئب كانت أوراقُ القصة من الكرتون المقوى، كلما فتحتُ صفحةً تتحركُ الخرافُ وتظهرُ أنيابُ الذئب لامعةً كبيرةً. صارت القصة محل فخري بين أصدقائي في الرّوضة، وحزني الشديد حين امتنعتْ معلمتي عن إعادتها لي في نهاية السنة الدراسية. جرّبت يومها (ذاك المثل القائل): غبيّ من يعير كتاباً، وأغبى منه من يردّه قبل أن اسمعه!

يتحدث الشاعر الفلسطيني عبد الفتاح شحادة في مقالته المعنونة بـ كتب ومثقّفون عن ظاهرة جديدة منتشرة بين جيل من الكتّاب الشباب في غزّة، ظاهرة سرقة الكتب. ففي ظل الحصار المحكم على غزّة، وندرة الكتب الثقافية التي نالت حصّتها من تضاعف أسعارها، وجد الكاتب نفسه أمام أولوية تأمين الطعام والمسكن على أولوية الكتاب. هذه الظاهرة بين مثقفي غزة محكومة بقوانين -على حد قوله: ظاهرةٌ

المزيد


إصدار كتاب "دهشة التفاح" للكاتب ياسر حجازي

تشرين الثاني 11th, 2007 كتبها بسمة فتحي نشر في , عروض ورؤى

صدر مؤخراً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر كتاب "دهشة التُّفَّاح" للمؤلف ياسر حجازي، وهو عبارة عن 18 قصة كتبها بين عامي 1996-2007 بين السعودية ولبنان، وأتت المجموعة القصصية في 147 صفحة من القطع المتوسط.

 

تنوَّعت عناوين القصص، ومنها: "إذا الدار انكشفت"، "المطمئن"، "وشوشات الزجاج"، "عام الخيطان"، "حادثة الدّكان: بعض من قصة عبد السّتار"، "شجرة المانجو"، "نشرة الثامنة"، "كزدورة: لماذا نمشي؟"، "وأد "قصة موتان""، "البحث عن اليابسة"، "الواقف الذي يشبه كثيراً من الناس"، "سنوات الصناديق"، و"دهشة التفاح".

 

يعالج الكاتب حجازي في مجموعته القصصية؛ بلغة متماسكة قوية بسلاسة؛ شخصيات مسكونة بالخوف الهادئ، التي لا تؤمن بالصراخ أو الشكوى حلاً لمخاوفها، وإنما تهدّئ نفسها بأن الخوف سمة من سمات الحياة كما جاء في قصّة "الخشب العتيق" بعد أن تبادل السؤال مع صديقة قديمة:

-"هل غادركَِ الخوفَ؟"

-"لم تَزَل فيّ الحياة، فكيف يزول الخوف؟!"

 

في قصة "نقطة تفتيش" مثلاً، كان الخوف مسيطراً على جوّ القصة منذ السّطر الأول،  يحاول بطل القصة أن يتذكر إن فَعَل شيئاً سيئاً دفع شرطي المرور أن يوقفه ويطلب رخص سيارته..! يطمئن نفسه في البداية: "لم أفعل أمراً سيئاً أو جيّداً هذا النهار. لم أقطع إشارة مرورية، لم أرتكب جنحة. لماذا الخوف إذاً؟"

لا يعرف البطل إجابة طيلة القصة، يستذكر ما قام به منذ أيام، لكنه لا يهتدي لشيء، بل شكَّ بكل شيء:

بيني وبيني لم أستطع أن أبرّئ نفسي من "فعل أيّ شيء" يحتمل تعارضه مع القانون. لن أتمكّن من الدفاع عن نفسي.

عادَ إليَّ الشرطي.

أعادَ لِي رخصتي واستمارة سيّارتي.

سلّمني "قسيمة مخالفة" لعدم تجديد الاستمارة. ثم انصرفَ.. وانصرفتُ وبقيَ الخوف جاثماً في أمعائي.

 

شخصيات المجموعة القصصية عالقة متورّطة قلقة طيلة الوقت، في تورّطها تتنقّل بين مواقف وذكريات عدّة مختلفة، تزيد من قلقها في الوقت الذي تتذكر كي تخفّف عن نفسها عبء عبثية الورطة. ففي قصة "الممحاة" يجد روّاد المطعم أنفسهم عالقين في المطعم كلما حاولوا الخروج، ولم يوضّح الكاتب الخروج إلى أين؟

القشرة لم تزل تشتّتُ أفكا

المزيد


مواقع إلكترونية لسرقة الكتب

حزيران 1st, 2007 كتبها بسمة فتحي نشر في , عروض ورؤى

شاع في الأعوام الأخيرة الماضية، ظهور مواقع على شبكة الانترنت أُطلق عليها اسم "المكتبات الإلكترونية"، يعمل على إنشائها ومتابعتها أفراد يختبئون خلف أسماء مُستعارة خوفاً من أي ملاحقات قانونية محتملة.

 

حيث يعيد هؤلاء الأفراد نَسخ ونشر مئات الكتب على مواقع إلكترونية دون التّأكد إن كانت هذه الكتب خاضعة لحقول النّشر أم لا، متجاهلين بذلك التحذير المكتوب على أول صفحة من بعض الكتب التي يسرقونها: "جميع الحقوق محفوظة. لا يُسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو أي جزء منه، أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات، أو نقله بأي شكل من الأشكال، دون إذن مسبق من الناشر"!

فهم لا يكتفون بنسخ أجزاء من الكتب، بل الكتب كاملة، وكل ما يحتاجون إليه آله سكانر وشخص يستطيع تحويل صور الصفحات إلى كتاب إلكتروني بصيغة ملف pdf، أو حتى استخدام برامج “e-books creator” حيث تقوم هذه البرامج على تحويل ملفات الـ word إلى ملفات pdf بسهولة وسرعة فائقة، لتكون الكتب بعد ذلك جاهزة لنقلها للموقع وتالياً إمكانية تحميلها ونسخها مئات المرات من قِبل متصفحي الموقع.

 

بداية يجب التّحفّظ على إطلاق اسم "المكتبات الإلكترونية" بينما نقصد "مواقع سرقة الكتب"، إذ، بذلك نظلم المكتبات الإلكترونية النظامية التي (تبيع) نسخ إلكترونية من الكتب (e-books)، أو تلك التي تتيح فرصة بيع الكتاب الورقي على الانترنت وإيصاله للقارئ بغض النظر عن مكان إقامته. حيث تحكم المكتبات الإلكترونية النّظامية، اتفاقيات وعقود متبادلة بينها وبين دور النشر الورقية وبمباركة من الكتّاب أنفسهم.

 

التداول غير الموفق للتسمية، يعمل عمل إبرة المورفين لدى كثير من متصفّحي الانترنت ومؤسّسي هذه المواقع. وذلك لما تتركه (المكتبة) من معاني وآثار إيجابية فاعِلة إن لم نقل مقدّسة في النفوس، مما يجعل عملية البحث عن مدى قانونية أو أخلاقية مواقع سرقة الكتب يسير بشكل شبه ميّت.

المزيد


الحنين الآثم للكتاب المُعـار

نيسان 15th, 2007 كتبها بسمة فتحي نشر في , عروض ورؤى

"من يسرق كتباً، أو يحتفظ بكتب كان قد استعارها، عسى أن يتحوّل الكتاب الموجود في يده إلى أفعى رقطاء، وعسى أن يُصاب بشلل ارتجافي قاهر وأن تُشلُّ جميع أطرافه، عسى أن يصرخ عالياً طالباً الرحمة وعسى ألاّ تنقطع آلامه إلى أن يتحوّل إلى رمّة متفسّخة، وأن تعشعش الديدان في أحشائه مثل دود الموتى الذي لا يفنى. وعندما يمثل أمام يوم الدين لتلتهمه نار جهنم إلى الأبد."

هذه الفقرة التي تبدو قاسية جداً ومريعة، تحذير معلّق في مكتبة "دير سان بدرو" في برشلونة. حين قرأتها أول مرة في كتاب "تاريخ القراءة" لـ ألبرتو مانغويل الصادر عن دار الساقي بترجمة سامي شمعون. ابتسمتُ وتمنّيتُ لو أستطيع كتابتها على الصفحة الأولى من كل كتاب في مكتبتي المتواضعة..!

في معظم الأحيان، لا أبخل بإعارة كتبي لمن يطلبها، وفي الوقت نفسه، لديّ سِجلٌّ أدوّن فيه أسماء الكتب المُعارة، اسم مستعيرها، وتاريخ الإعارة. وتبقى عيني تنتظر تلك اللحظة التي أضع علامة (صح) أمام الكتاب إشارةً لإعادته!
أعير الكتابَ بطيب خاطر، وبفرح أن هناك من سيشاركني في قراءته، وأُمنّي نفسي بمناقشة أو تبادل الأفكار حوله. وأدعو أن يكون مستعير الكتاب لا يعرف أو على الأقل لا يطبّق:"غبيّ من يعير كتاباً، وأغبى منه من يعيده"!

إنني أرى أو أفضل أن يقوم مستعير الكتاب بالحفاظ عليه أثناء قراءته، وإعادته غير مدبوغ ببقع الزّيت والزّعتر، لم أتخيل أيضاً أنني سوف أضيف أثر حريق السجائر، إذ أعادت لي زميلتي رواية شيفرة دافنشي لدان براون بآثار حروق على طرف الكتاب، حين غالب النعاس زوجها وهو يقرأ ويدخن!

مرّة قالت لي أختي: "يعني لازم تعملي لي فيلم رعب كل ما أستعير منك كتاب؟!"
المشكلة أن "أفلام الرّعب" لا تؤتي ثمارها دائماً، وإلا لما عادت نسختي من مذكرات إدوارد سعيد "خارج المكان" (مفَشْفِشة) حي

المزيد


معانقات وكلمات إدورادو غليانو المتجولة

أيلول 28th, 2006 كتبها بسمة فتحي نشر في , عروض ورؤى

 

ما زال فن القصة القصيرة جداً – ق.ق.ج / الأقصوصة / Very Short Story- هو الأصغر عمراً بين الفنون الأدبية الأخرى، وكأي مُستَحدث تكون ردة الفعل حياله بين حالتي الرفض والمهاجمة وبين القبول والاستساغة.
 
وينقسم قابلوها ومستسيغوها أيضاً، إذ يراها بعضهم فناً أدبياً مُتفرعاً مُنشقاً عن فن القصة القصيرة، ويراها البعض الآخر فناً أدبياً صعباً مستقلاً بحد ذاته مُستفيداً من الأجناس الأديبة الأخرى من شعر وقصة قصيره، أساسه الأول التكثيف والانتقاء الدقيق لمفرداته القليلة المستخدمة ابتداءً من العنوان الذي يُعدُّ جزءاً لا يتجزء من القصة وانتهاءً في جمله سريعة الإيقاع الممتلئة بالحدث والحركة المتوتّرة في لحظة معينة أو حالة بعينها.
 
بكل تأكيد، الكاتِب الأوروغواني "إدواردو غليانو" من الكتَّاب المميزين المُجيدين كتابة هذا النوع من الفن "القصة القصيرة جداً"، ولد هذا الكاتب في مونتيفيدو Montevideo عاصمة الأوروغوي Uruguay عام 1940م ودرس فيها حتى بلغ السادسة عشرة من عمره، وحين بلغ العشرين بدأ العمل كمحرر صحفي، وعلى أثر الإنقلاب العسكري في بلاده عام 1973 سُجن وتمَّ ترحيله بعدها إلى الأرجنتين حيث عمل أيضاً محرراً صحافياً ولكن سرعان ما رُحِّل مرة أخرى إلى اسبانيا على أثر الإنقلاب العسكري في الأرجنتين عام 1976، وهناك في اسبانيا بدأ في كتابة "ذاكرة النار"، ليعود بعد تسع سنين إلى مسقط رأسه مونتيفيدو، وقد حاز غليانو على العديد من الجوائز الأدبية منها جائزة الكتاب الأمريكي عام 1989 “The American Book Award” وقد تُرجمت أعماله إلى أكثر من عشرين لغة.
 

نصحني الكاتب الليبي "محمد زيدان" بضرورة قراءة "كتاب المعانقات" لـ إدواردو غليانو، وبعد بحث دام عام حصلت عليه، وكذلك على "كلمات متجوِّلة"، صدر الكتابان عربياً عن "دار الطليعة الجديدة" بعد أن ترجمهما إلى العربية لأول مرة الأستاذ أسامة اسبر. تنقلت بين قصص "نوافذ" الكتابين بدهشة كبيرة إذ يتناول غليانو الحياة، يتحدث عن الأطفال، الجَد والجدّة، الشعراء، الجنود، الهنود، الطّغاة. يتحدث غليانو باسم الجمادات، يكتب عن زجاجة البيرة، التلفزيون، الجدران، المنازل، يتحدث عن الفن، عن البكاء والضّحك، عن النسيان والكذب والصّمت، عن السّلم والحرب.
بفقرات صغيرة تحتوي جمل قصيرة متتابعة، يتحدث غليانو عن كل ذلك وأكثر، برشاقة فراشة، وحكمة مجرِّب في الحياة والسياسة، وتأمّل صوفيّ لكل ما حوله، إذ يعتمد على الرّمز والتكثيف والرؤية التّشريحية الفلسفية للأمور.
 

أترككم مع بعض قصصه، ومضاته، فوانيسه…
 
نافذة على الأسئلة:

صوفيا أوبالسكي متقدمة في السن جدا، لا أحد يعرف كم عمرها، ومن يعرف إن كانت تعرف. لديها ساق واحدة وتتحرك على كرسي مدولب. كلاهما مهترئ، هي والكرسي. براغي الكرسي مرتخية، وكذلك براغيها.
حين تسقط، أو حين تقلب الكرسي، تسحب صوفيا نفسها بقدر ما تستطيع إلى الهاتف وتدق الرقم الوحيد الذي تتذكره. وتسأل، من نهاية الزمن: "من أنا؟"
 
بعيداً عن صوفيا، في بلاد أخرى، هناك لوثيا هيريرا، التي ولدت منذ ثلاث أو أربع سنوات. تسأل لوثيا من بداية الزمن: "ماذا أريد؟"
 
العالم.
صعد رجل من بلدة نيغوا، الواقعة على الساحل الكولومبي، إلى السماء. حين عاد وصف رحلته، وروى كيف تأمل الحياة البشرية من مكان مرتفع. قال: نحن بحرٌ من ألسنةِ اللهب الصغيرة.
أضا

المزيد


عطر باتريك زوسكيند

أغسطس 18th, 2006 كتبها بسمة فتحي نشر في , عروض ورؤى

 
المُستَنشِق عَبَق آخر حرف من حروف رواية "العطر" للكاتب الألماني "باتريك زوسكيند" يشعر بالكثير من العظمة والدهشة، إذا أن الرواية تتيح للمرء أن يحيى عبر صفحاتها حيوات كثيرة، إذ يسبرُ أغوار النفس البشرية بكل ما تحمله من تناقضات وجمال، فيخرج ممتلئاً بالكثير من الدهشة من كاتب يُشعر القارئ الذي قرأ الرواية أصلاً بأنفه أنه يحتاج لأنفه وفقط لأنفه كي يحيى، وما دون الأنف والرائحة هو لا شيء مطلقاً..!
 
باتريك زوسكيند:
ولد الكاتب الألماني باتريك زوسكيند عام 1949 في بلدة "امباخ" على بحيرة "شتارتبرغ"، لم يُعرف زوسكنيد ككاتب إلا عام 1981 من خلال مسرحية "عازف الكونتراباس"، وبعدها برواية "العطر" التي ترجمت إلى أكثر من عشرين لغة، وقد نال زوسكيند عام 1987 على جائزة "غوتنبرغ" لصالون الكتاب الفرانكوفوني.
 
العطر، قصة قاتل:
 صدرت رواية "العطر" بالعربية عن "المجمع الثقافي" في دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد قام بترجمتها الدكتور نبيل الحفار.
 
"العطر" بلغتها الروائية المتماسكة الجميلة، وأسلوبها السردي البعيد عن التلقين والفرض الممل، أكسبت الرواية متانة دون تعقيد، وحبست أنفاس المتلقي حتى آخر حرف فيها، بكل ما تضمنته من غرائبيات النفس البشرية وعالم العطور والروائح العجيب والزاخر والكثيف.
 
ومن الجدير بالذكر أن الرواية سوف تعرض على شاشات السينما قريباً، إذ حصل الممثل الأمريكي "Dustin Hoffman، داستن هوفمان" حقوق تصويرها، كذلك سوف يقوم بتمثيل دور العطار "بالديني"، وسيقوم بإخراج الفيلم المخرج الألماني الشهير "Tom Tykwer، توم تايكوير"، ومن سيقوم بدور غرونوي هو الممثل البريطاني الشاب"Ben Whishaw، بن ويشاو"
 
تتحدث الرواية عن "جان باتيست غرونوي" الذي وُلد عام 1738 في شارع "اوفيير" في أكثر أماكن المملكة بأسرها زحماً بالروائح الكريهة، المشبعة برائحة العرق، والبول والخشب المتفسخ، وروث الجرذان، أمام عربة سمك، كإبن غير شرعي، لأم اعتادت أن تقتل أبناءها أمام العربة ذاتها، الأمر الذي رفضه غرونوي بصراخه وبكائه ب

المزيد


هَويّات أمين معلوف القاتِلة

أغسطس 18th, 2006 كتبها بسمة فتحي نشر في , عروض ورؤى

هَوِيّات أمين معلوف القاتِلة
وقراءات في الانتماء والعولمة.
 

أول كتاب اقتنيته لأمين معلوف كان قبل سنة تقريباً. حين بدأت عيناي تتصفحان وتقلبان الكتب المعروضة في كشك "أبو علي" الواقع في وسط البلد، وبينما كنت أرجع خطوة للوراء، سمعت صوت أحدهم يصرخ: "آآآآآآآآآآي". كان الصوت خلفي تماماً، نظرت وإذ بي أدوس على قدم أحدهم!
تبادلنا الاعتذارات السريعة وأن أيّنا لم يكن يقصد، ليعود كل منا إلى تفحُّص الكتب المعروضة. وبعد لحظات سأل الرجل عن "أبي علي" صاحب الكشك، وبعد أن علم بغيابه سأل عن كتاب "الحروب الصليبية كما رآها العرب" لـ أمين معلوف، وحين استلمه من يد البائع قال: "إحكي لأبو علي أنه مريد البرغوثي بيسلم عليه وكان نفسه يشوفك!"
 
هنا استيقظت كل حواسي، "مريد البرغوثي!" وقبل أن يدير ظهره ويمشي، قلت بكل حماس واندفاع وعفوية حقيقية: هو أنتَ مريد البرغوثي؟ 
بهتَ الرجل لثوان أجابني بعدها مبتسماً : نعم
 
 
كيف يمكنني أن أنسى رواية "رأيت رام الله"؟ أو كيف لي أن أتوازن حين أسمع اسم "مريد البرغوثي" هذا الرجل الذي جعلني أرى "رام الله" من خلال روايته؟ ليس فقط أراني رام الله، بل أعادني إليها، وكأنني عشت بها قبل احتلالها وعدتها بعد ثلاثين عاماً!
 
سلّمتُ على مريد البرغوثي، وشكرته من كل قلبي على روايته، التي جعلتني أرى وطني وأعيش بين شوارعه. روايته التي أتمنى من كل فلسطيني أن يقرأها ولا تخلو مكتبة بيته منها….
 
عدتُ إلى البيت فرحة جداً بمقابلته غير المُحضَّر لها والعفوية جداً، عدت إلى البيت متأبطة كتاب "الحروب الصليبية كما رآها العرب"، عدت بالكتاب والفضول يأكلني، إذا ما يمكن أن يحتوي كتاب مريد البرغوثي يطلبه دون سائر الكتب المعروضة؟
 
قلتُ أنني سوف أقرأ الكتاب في حال انتهائي من الكتاب الذي كان بين يدي، لكني فعلياً لم أدخل عالم أمين معلوف الغني والزاخر والمليء بالرَّوي المعتق بالتاريخ إلا بعد نصيحة الصديق "إلياس رفيق" وبذلك، جلبت له "صخرة طانيوس"، "البدايات"، "سمرقند"، "الهَوِيّات القاتلة".
 
أمين معلوف
ولد أمين معلوف في لبنان عام 1949، درس الاقتصاد والعلوم الاجتماعية بالجامعة اليسوعية في بيروت، وبعد تخرجه عمل كمحرر في الملحق الاقتصادي لجريدة "النهار" البيروتية بالإضافة إلى محرر للشؤون الدولية في الجريدة ذاتها، الأمر الذي أتاح له فرصة الاطلاع على التطورات السياسية الخارجية بشكل موسع وعميق.
 
وعلى أثر الحرب الأهلية في لبنان، انتقل معلوف إلى فرنسا عام 1976، حيث عمل كمحرر في مجلة "إيكونوميا" الاقتصادية وغيرها من الصحف والمجلات، ليتفرغ بعدها في بداية الثمانينيات للكتابة.
 
ترجمت أعمال أمين معلوف إلى عدد من اللغات كما وقد نال جائزة الصداقة الفرنسية العربية لعام 1986 عن روايته "ليون الإفريقي"، وجائزة "غونكور"لعام 1993 عن رائعته "صخرة طانيوس"، وجائزة المتوسط عن روايته "بدايات"، وجائزة فييون عن بحثه "الهويّات القاتلة".
 
 
ولست أُفردُ هذا المضوع للحديث عن رائعته "صخرة طانيوس"، الرواية التي سحرتني وأنا أقرأ بها وسكنتني زمناً ليس بالقليل، بل سأتحدث عن كتابه/بحثه "الهَويّات القاتلة، قراءات في الانتماء والعولمة"، الذي جذبني عنوانه جداً لسبب شخصي جداً، والذي قام بترجمته الدكتور نبيل محسن، وصدر باللغة العربية عن "دار ورد للطباعة والنشر والتوزيع، في طبعته الأولى عام 1999.
 
يقع "البحث/الكتاب" ضمن أربعة أبواب متراتبة: "هويتي وانتماءاتي"، "عندما تأتي الحداثة من الآخر"، "زمن القبائل الكوكبية"، "ترويض الفهد" وينتهي البحث بـ "خاتمة".
 
هويتي وانتماءاتي:
 
يؤكد الكاتب في هذا الفصل أن الهوية لا تُعطى مرة واحدة وإلى الأبد إلى الفرد، بل تتشكل من عدة انتماءات تتبدل ويختلف تراتب عناصرها طوال حياته وتالياً (الهوية) قابلة للتغير والتَّبدّل حسب تأثير الآخرين بشكل أساسي على عناصرها. وأن الفرد يميل بطبعه فيما يخص تعريف هويته وتحديد انتمائه بأكثر عناصر هويته عرضة للخطر –خطر ا

المزيد





"إن حياتي تتجسد حين أرويها وذاكرتي تتثبت بالكتابة، وما لا أصوغه في كلمات وأدونه على الورق سيمحوه الزمن."
إيزابيل الليندي، "باولا"