العيد الثامن

كانون الثاني 26th, 2009 كتبها بسمة فتحي نشر في , قصص

تمضي أيام صالح متشابهةً رتيبةً، لا يدري كيف استسلم للروتين أو متى؟ تقتصرُ أيامُه على عمله وبيتِهِ الهادئ البسيط؛ حين يعود إليه يفتح التلفزيون ويرفعُ صوَته عالياً؛ لا يتابع برنامجاً أو مسلسلاً بعينه، بل ليشعر بالحياةِ. يتساءل: "هل التلفزيون حَيْ؟!". يرتبك كلما اضطرّ لعمل صيانةٍ في منزله: سباكة، كهربة، أو نجارة، يزعجه غسل ملابسه كثيراً ثم إرسالها للمكوجي، وغيرها من الأمور البسيطة؛ التي تشغل باله وتؤرّقه بينما تمر عاديةً بحياة الآخرين دون أن تؤثّر على أيامهم.

تكررتْ في دفتر مذكّراته جملة: "لا بد أن أتغيّر!".

***

كان من عاداته أن يجلس كل مساءٍ في حديقةٍ عامة، يلجأ فيها إلى مقعدٍ خشبي لم يفكّر في استبداله منذ زيارته الأولى، يتأمل كلَّ ما حوله بحيادية، لا يتحدّث إلى أحدٍ كما لا يتحدّث إليه أحدٌ. يحب رائحة العشب، وأشجار السّروِ، يتساءل: "كم صيف وشتاء مرَّا على أغصانها وفروعها، هل تعرف الأشجارُ أسماءَ زارعيها؟ هل تشعرُ بالوحدةِ أم تنشغل بقصصِ من تفيئوا بظلّها؟!"

***

يأخذ حماماً ساخناً استعداداً للنّوم. كان قد تخلّى عن عادته في متابعة التلفزيون، أو القراءة في السرير، لم تفلح معه حيلة، يتعبهُ الأرق، أقلّ الأمورِ أهميّةً تقدر على حرمانه من النوم فيترك سريره، ويكتب في دفتر مذكراته.

كتب في إحدى اللّيالي: "لماذا لم أنصح سليم أن يراعي صحّته أكثر؟ سمنته الزائدة سببٌ في ارتفاع الكوليسترول والضغط. لماذا حواري مع زملائي لا يتعدى حدود العمل والرسميات؟! ماذا يؤّثر على العمل إن حضرنا بالبيجاما؟ تعيقني البدلة الرسمية عن الحركة".

كتب كثيراً تلك الليلة وختمها بـ: "أيّها اللّيل السهران، لستُ وحدي في ه

المزيد


نجمة الذّاكرة

تشرين الأول 22nd, 2007 كتبها بسمة فتحي نشر في , قصص

 لم تسمع اسمها في بداية المحاضرة، حين ذكر الدكتور فاروق اسماء الطلاّب، لوّحت بيدها: "أنا هنا"، هزّ رأسه وابتسم. لم تعد تتوقّع ظهور اسمها في المحاضرات التالية، لاحظته يُسقِط أسماءَ جديدة من قائمة الحضور. كان يجتهد في حفظ أسمائهم، كمَن يمتحن ذاكرتَته.

كانت امتحاناته المفاجئة تخيفها. يسمّيها "ألعاب ذاكرة"، وتسمّيها "ألعاب رعب"، هي التي تعيش بذاكرة ضعيفة، وتستعين بنجمةٍ على كفّها، لتساعدها على عدم النّسيان.

  مرّة فاجأ طلاّبه باختبارٍ شفويٍ في جدول الضّرب. خبّأت رأسها خلف شاشة الكمبيوتر كي لا يراها، ستتلعثم، وستخونها ذاكرتها. أتعّبت أختها كثيراً حين علّمتها جدول الضّرب، كلّما سكبتْ جدولاً في رأسها، اندلق ما قبله. تتساءل كيف استطاعوا أن يحافظوا على جداول الضرب في رؤوسهم بعد كل هذه السنوات، ويستحضروها بكل سهولةٍ وسلاسة؟!

نجمةٌ مرسومةٌ بالقلم الأزرق الجاف على كفّها الأيسر. تذكّرها بشراء الخبز في طريق عودتها للبيت. إن كان عليها القيام بعملين في اليوم نفسه، رسمت نجمتين، أكثر من ذلك تضلّلها النّجوم فتزداد حيرتها.

ماذا يعني أن تعيش بذاكرةٍ ضعيفة؟ّ

 ***

بدأتْ برسم النّجمات وهي طالبة في المدرسة، بعد أن تكرّر نسيانها إحضار ديوان شعر لنزار قباني، طلبته صديقتها التي غضبتْ، وظنّت أنها لا ترغب في إعارتها الديوان.

 رسمتْ نجمةً على كفّها الأيسر، كتبت تحتها: "الديـوان". لم تنسَ وعدها أخيراً. صارت النجمةُ ذاكرتَها، تنقذها كثيراً، وتخذلها أحياناً. يحصل أن تنسى لماذا رسمتها، تبقى مرسومةً بغباءٍ وعنادٍ شديدين، حتى تمحوها رغوة الصابون.

***

زارتْ الطبيبَ، شرحتْ له: "الأسماء والأرقام لا تستقر بذاكرتي أبداً، الدّروس تتبخّر من رأسي، كلما أردتُ أن أخبّئ شيئاً ضاع، تجبرني أمي على تناول سندويشات الزيت والزعتر لاعتقادها أنها تقوّي الذاكرة، كما أني أستعين على ضعف ذاكرتي برسم نجمةٍ على كفّي".

 بعد أن أجْرَت فحوصات للدم، أكّد لها ا

المزيد


طيّارة

تموز 10th, 2007 كتبها بسمة فتحي نشر في , قصص

ترتفع الطائرةُ أمتاراً قليلةً عن الأرض، وقبل أن تطير تعودُ سيرتها الأولى.

كانت عين الصّبي تتنقّل بين الطائرة وأبيه: يا بابا الطيّارة!

 تشد يدا الأب على خيط الطائرة الورقية، يربكه كسل بَكَرة الخيط على الأرض منذ ساعةٍ، فيتجنّب النّظر إلى ابنه الذي يقف بجانبه دون صبر: "يا رب الطّائرة بارك ذراعي والهواء، لا تخذلني أمامه!"
- يا بابا الطّيارة!

يمسح عرق كفّيه ببنطلونه الجينز، يرفعُ الطائرةَ بيده ويركض خطوات للوراء، عينه على الطائرة، ينادي بأعلى صوته "يا رب الطائرة".

يصافحُ الهواءُ وجهَ الطائرة أخيراً، فترتفع قليلاً، يركض الأبُ، تصحو بَكَرةُ ا

المزيد


جابر البريد

حزيران 17th, 2007 كتبها بسمة فتحي نشر في , قصص

إلى صديق سعاة مجهولين: أخي ياسر حجازي.

 يرشُفُ جابر من فنجانِ قهوتهِ المُرّة، ينفثُ الهواءَ من صدره. ما زالت السّماء تمطر، يقفُ أمام النافذة المُندّاة، يكتب بسبّابته فوق سطحها: "شكراً لساعي البريد في البلدين" ويرسم وجهاً حزيناً.

 -         أهو مثلي قَلِق، ساعي البريد في البلد الآخر؟ يفتقد الرسائل ويربكه الحنين؟ هل أخبر زوجته وأطفاله أن الرسائل انقطعت، أم تراه أخفى الأمر عنهم؟!

يتذكّر كلام زميله قبل سنواتٍ، حين تسلّم العمل كساعي بريد: "العمل روتيني مُمِل… لكنها لقمة عيش!". تَعَجَّبَ حين شاهد مئات الرسائل حوله: "من أين يأتي الروتين والملل، المكان مسكون بالأرواح والأخبار!"

 فتَنَتهُ الرسائل بأسرارها، غموض إغلاقها، ألوان مغلّفاتها، عناوينها، طوابعها، خطوط أصحابها، أنواع وألوان الأقلام التي يكتبون بها.

يحمل في جيبه مجموعة طوابع. يفردها أمام أطفاله طابعاً بعد آخر، ليتسابقوا فيما بينهم،  أيهم يحصل عليها إن اسرع وأحسن الإجابة.
- لأي بلد هذا الطابع؟

تُسعِده ثقة أطفاله به واعتقادهم أنه عالِمٌ بالكرة الأرضية ـ أسماء البلاد وعواصمها، ألوان أعلامها، خباياها، زواريبها_ خريطة مكشوفة بين يديه ذلك بعد أن سافر بهم عبر قصصه من بلد لآخر ومن مدينة لأخرى.

مرّة، سمع ابنه يخبر صديقه: "هل تعلم أن اسم شركة نوكيا يعود لاسم مدينة في بلد الغابات والبحيرات فنلندا؟"

***

يذكر جابر تاريخ الرسالة الأولى.

أثناء فرزه للرسائل، وجد عنواناً مكتوباً بقلم أحمر، استوقفه سطرٌ في أسفل المغلّف بخط أصغر من العنوان. أطال تأمّله، أعاد قراءته بصوتٍ عالٍ: "شكراً لساعي البريد في البلدين". سريعاً، ذهب بالرسالة لأصدقائه في مكتب البريد، تنقّلت الرسالة بِخِفّة بين أيدي الموظّفين، لم تنتقل عدوى ابتهاجه لأيٍّ منهم. سأله أحدهم: "لماذا أنت فرحان هكذا؟ كثيرون الذين يكتبون (شكراً لحامله)!" أجابه جابر بثقة: "لا، الأمر ليس كما تتوهّم. صاحب الرسالة يقصدني أنا، وساعي البريد في البلد الآخر، فقط..!".

 حين وصل جابر إلى بيته كاد أن يخبر زوجته بأمر الرسالة. انتابه خوف أن لا تستوعب حقيقة فرحته.

كانت المرة الأولى التي يُشكر بها من أحد كتّاب الرسائل. لم يعتقد أن أحدهم قد يلحظ وجوده. هو الذي يخطف الناسُ الرسائلَ من بين يديه، فيُنسيهم فضولهم وشوقهم أن يشكروه.

"يكفي أن فيروز غنّت لي (يا مرسال المراسيل)، ألستُ جابر البريد الذي يجبر الخواطر بإيصال الأخبار والأشواق بين الأحبّة والأهل؟!" هكذا كان يُطيِّ

المزيد


مبروك

تشرين الثاني 20th, 2006 كتبها بسمة فتحي نشر في , قصص

دِقّة "مبروك" في عمله، ومعرفته بأدقِّ التفاصيل والكميات في المستودع، تُقللُ من مخاطر انفجار مديره في وجهه بسبب غريب قوله وعجيب تصرّفه.
 
يجلسُ "مبروك" بكسلٍ فوقَ كرسيّه، يمسكُ كوباً ضخماً من النسكافيه السّاخنة، يرشفُ قليلاً منه كلّما تذكّرَ وجودَه بين يديه. لم أره إلا حاملاً الكوبَ وإن لم يشرب منه. أخرجه الأطباء من بطن أمه بعمليةٍ قيصرية خوفاً على حياتها، بعد أن اكتشفوا وجودَ الكوب..!
 
يرشُفُ رغوةَ النسكافيه، يتلمّظُ، ينظرُ إليّ طويلاً، يَحارُ من أين يبدأ. أفكِّرُ من الجيّد أن وجهَه دونَ شاربٍ، وإلا علقتْ الرغوةُ فيه بشكلٍ سيء، أنتظر أن يقنعني سبب إنقاصه من طلبيّة اللّوازم التي يحتاجها القسمُ من أقلام، ورق التصوير A4، وملفّات لحفظ المعاملات.
 
بسبب غيظي منه، أتمنى جَعلَكة شعر وملامح مبروك الحيادية بيديّ، يقضم أمنيتي، يكملُ بصوتٍ رخيمٍ بعد صمتٍ مستفزٍ:
-        "لا أعرفُ بالضّبط كيف أشرح لكِ الأمرَ… الأمرُ يشبه عندما تزوركِ الملائكةُ السّاكنة صوتَ فيروز صباحاً عبر موجات الراديو بهدوءٍ صاخبٍ لذيذٍ، يعيد لنفسكِ توازنها، ولروحكِ جمالها الأول، تبدئين بالغناء معها بصوتٍ خفيض، سيتمايل رأسكِ طرباً وانتشاءً، وحبالُ صوتكِ رقصاً، تُغمضين عينيكِ لأنكِ تعلمينَ بأن مثل هذا الجمال لا يُرى بالعين، إذ تطغى ملائكةُ صوتها وتتفوَّقُ على كل ما حولكِ، تظنين أن تلك الملائكة خاصّتكِ، وتتوالدُ من حاراتِ قلبكِ الدّافئة الحانية.
    حادّةٌ هي الفاجعة، حين تصمت فيروز على حين غرّة، ويبقى صوتكِ. صح؟!"
 
يأخذ مبروك رشْفةً أخرى من كوبه، بعد أن اطمأن من موافقة ملامحي لكلامه، يعدّل من جلسته يقترب أكثر من مكتبه، يريح تربيعة ساعديه فوقه ويُكمل:
-        "تُصدَمين أن ملائكة قلبكِ ما هي إلا عفاريت زيّنت لكِ سوء صوتكِ، وقتها لا تملكين من أمركِ غير الالتفات حولكِ داعيةً الله راجِيةً إيّاه أن لا تكون انكشفتْ عفاريتُكِ لغيركِ، تعدِّلين من جلستكِ، تطفو مرةً أخرى هواجسُ يومكِ على سطح تفكيركِ و…"
يحمرُّ وجهي خجلاً، أعدّل من جلستي، لا بُدّ أن عفاريتي انكشفتْ له، بينما كنت أغني ذات يوم مع فيروز. أطمئنُّ أن فَمَ مبروك مشغولٌ طيلة الوقت بكوبه، ولا يملك وقتاً للقيل والقال عن عفاريت صوتي أو صوت غيري …
 
-        "تتلبَّسُني هذه الحالة كل صباح في الباص، قبل أن يمر بوسط البلد. شغوف بهذه المنطقة، أنتِ تَتَقصَّع ضحكاتكِ وزميلاتكِ صباحاً وتبدأنِ في تقطيع الناس بسكاكين ألسنتكن، بينما أرخي رأسي إلى النّافذة، تلتقط عيني المفتوحة ما تستطيع من تفاصيل: زحام كثيف يضغط رئتَيْ حركة السّير، حافلات النقل العام وسيّارات السّرفيس، وعشرات الأشخاص يهرولون بينما ينظرون إلى معاصمهم المُكبّلة بالسّاعات، لا يعرفون أيلحقون بالوقت أم أن الوقت يلحق بهم، أكادُ أسمعُ إسفلتَ الشّارعِ يصرخُ من رفسهِم صدرَهُ بتلك القوة ودون أمنيةٍ بصباحٍ جميلٍ آمِن!"
 
يرفع مبروك عينيه عن كوب النسكافيه، يصوّبهما في عيني بعتاب:
-        "هل سب

المزيد


الحاجّة نعّومة وقصص أخرى

أغسطس 18th, 2006 كتبها بسمة فتحي نشر في , قصص

(نَعُّـومة)
الحاجّة نعُّومة بسنواتها السبعين، وقامتها القصيرة، وصوتها الحاد الرّنان، ووجهها المتغضّن، ويدها المغلولة إلى عنقها جداً، وحزمة نقودها الساكنة بأمان والمتدفِّئة في انثناء ثديها الأيسر وساقيها المهرولتين النِّشِطتين، وثوبها الأشبه "ببراشوت" مقلوب يشدُّ خصرها لينسدل طويلاً واسعاً حتى آخر حذائها الواطئ الأنيق.
 تشبه إلى حدٍ قريب جداً "السيدة ملعقة" في فيلم الكرتون حين تنكمش على نفسها فجأة وتصبح بحجم عقلة الأصبع، فيدوخ زوجها المسكين بالبحث عنها دون طائل.
الحاجّة نعومة أطلقت عينيها عدسات مكبرة في وجهي تبحث عن، "حمرة الخجل"، ذلك أنني أوقفتُ لها سيارة أجرة تعيدها إلى البيت، عِوَضاً عن الباص أو السرفيس بعد زيارتها لأمي: "أنا؟!..أركب مع غريب لحالي؟.. مش يمكن يطلع إبن حرام؟!"
لطمت بيمينها على صدرها، لتستقر بعدها فوق ثديها الأيسر وأكملت:" جيل لا يخجل ولا يزوق… والله عيب!".
25-12-05
الأحد.
 
 
(عَرضُ الوَشَقْ)
ذلك الطفل الساكِن في جلسته والمتأمِّل باقي حبات العكلة التي يبعها عند إشارة المرور، تحوَّل بقدرة قادرٍ إلى وَشَقٍ وثَّاب حين حين ارتدى وجهُ الإشارةِ اللونَ الأحمر..!
كان يقفز بين سيارة وأخرى بملابسه المُهَلْهَلة، فتتحدث يداه بصخب، حاجِباه يتراقصان كموجتين رشيقتين، لا تتوقف شفتاه عن الارتفاع والانخفاض والتَّدوُّر والتَّكوُّر، وحين وصل إليَّ قدَّم عرضه لاهثاً وعلى طبقٍ من "علكة":
"(أُجبري عني هالكم حبة).. والله أنا من سكّان "الوحدات" وأجرة البيت ستون ديناراً.. والدي متوفٍ وأنا من يصرف على البيت.. إن جَبَرتِ عني العلكة سأدعو لك بالخير الكثير والعَوض الوفير: فإن أعطيتني ديناراً ستدعو لك أمي، بالمناسبة هي أقرب لله مني فهي أُم وتُربِّي أيتاماً.. إما إذا أعطيتني خمسة دنانير سندعو لك أنا وهي!"
 
*الوَشَقْ: حيوان من فصيلة القطّ ورتبةِ اللّواحِم، من الثدييات، وهو بين القطّ والنمر
أُجبري: بضم الألف من الفعل جَب

المزيد





"إن حياتي تتجسد حين أرويها وذاكرتي تتثبت بالكتابة، وما لا أصوغه في كلمات وأدونه على الورق سيمحوه الزمن."
إيزابيل الليندي، "باولا"